حي بن يقظان في الفكر الفلسفي


الباب الأول : فلسفة حي بن يقظان

الفصل الأول : ابن سينا 370 – 428 هـ ( فيلسوف المشائين )

المبحث الأول : الحالة السياسية والفكرية السائدة في عصر ابن سينا

المبحث الثاني : حياة ابن سينا ومؤلفاته

المطلب الأول : اسمه ونسبه

المطلب الثاني : نشأته ورحلاته

المطلب الثالث : شهرته وعلاقته بالحكام

المطلب الرابع : شيوخه وتلاميذه

المطلب الخامس : مؤلفاته ووفاته .

الفصل الأول

ابن سينا ( 370 ــ 428 هـ )

المبحث الأول : حياة ابن سينا ومؤلفاته

المطلب الأول : اسمه ونسبه

هو الشيخ الرئيس الملك أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا  ،البخاري نسبة إلى بخارى البلخي أصلا (1)

ولد من أسرة فارسية الأصل في قرية أفشنة من أعمال بخارى في ربوع الدولة السامانية – أوزبكستان حاليا ” قال أبو عبيد : ذكر الرئيس قال : كان أبي رجلا من أهل بلخ ” (3)

وعرف بألقاب كثيرة منها : حجة الحق ، شرف الملك ، الشيخ الرئيس ، الحكيم المشهور(2) ، الحكم الدستور ، المعلم الثالث ، الوزير ، الفيلسوف الرئيس ، أمير الأطباء ، أبو الطب الحديث، أرسطو الإسلام ، جالينوس العرب .(4)

وكان أبوه من مدينة بلخ – أفغانستان حاليا – وأمه قروية اسمها ستارة من عائلة مشهورة بإسماعيليتها .(5)

الوافي بالوفيات : صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أبيك بن عبد الله الصفدي ج 4 ص 250 ، تحقيق الوليد بن مسلم ويعقوب بن يزيد وإبراهيم شيوخ ، منشورات المعهد الألماني للأبحاث ، الطبعة الأولى عام 2004 م . عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ابن أبي أصيبعة موفق الدين أبو العباس أحمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ، ج 2 ص 2 ، بدون تحقيق ، دار الثقافة بيروت ، طبعة عام 1981 م . تاريخ حكماء الإسلام : ظهير الدين البيهقي ، ص 65 – 82 ، تحقيق ممدوح حسن محمد ، مكتبة الثقافة الدينية مصر القاهرة ، الطبعة الأولى عام 1996م . وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان ، ج 6 ص268 – 274 ، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر بيروت ، طبعة عام 1900 م . شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي ، ص 233 ج 3 ، تحقيق عبد القادر ومحمد الأرناؤوط ، دار ابن كثير مصر القاهرة ، الطبعة الأولى عام 1996 م . جهار مقالة ( أي أربع مقالات ) : محمد بن عمر بن علي المعروف بالنظامي العروضي السمرقندي ، ص 14 – 38 ، نشره إدوارد براون ، طبعة عام 1921 بدون دار نشر .

2- تاريخ الإسلام : الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت 748 هـ ، ج 4 ص 263 ، تحقيق عمر بن عبد السلام تدمري ، دار الكتاب العربي ، الطبعة الثانية عام 1990 م .

3- الوافي بالوفيات : صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أبيك بن عبد الله الصفدي ، ج 4 ص 250 ، تحقيق الوليد بن مسلم ويعقوب بن يزيد وإبراهيم شبوح ، منشورات المعهد الألماني للأبحاث ، الطبعة الأولى عام 2004 م .

عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ابن أبي أصيبعة موفق الدين أبو العباس أحمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ، ج 2 ص 2

تاريخ حكماء الإسلام : ظهير الدين البيهقي ، ص 65 -82

وفيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان : أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان ، ص 268 – 274 ج 6 .

شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي ، ص 233 ج3 ،

جهار مقالة ( أي أربع مقالات ) : محمد بن عمر بن علي المعروف بالنظامي العروضي السمرقندي ، ص 14 – 38 .

4- المراجع السابقة .

مولده :

وقد ولد ابن سينا في شهر صفر سنة 370 هـ ، واختلف المؤرخون في سنة ولادته : فابن أبي صيبعة وتلميذ ابن سينا أبو عبيد عبد الواحد الجوزجاني يقولان أنه ولد سنة 985 م(1) ، وابن خلكان والقفطي يقولان أنه ولد سنة 980 م (2) وعنهما نقل من بعدهما والصحيح ما قاله الجوزجاني وتلميذه لأنهما أقرب إليه وأوثق من غيرهما .

المطلب الثاني : نشأته ورحلاته .

استظهر ابن سينا القران وحفظه وعمره عشر سنين ، واستفتحت كان مهتما بالدين مقبلا على الشريعة وأول ما بدأ به حفظ القران الكريم الي هو كتاب المسلمين ودستورهم الخالد .

ثم درس الطب عن رغبة وشغف ، وفي مدة يسيرة برز في هذا العلم ، وكان عمره آنذاك ست عشرة سنة ، وكان يقول : ” وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة ، فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدة “( 3 ).

ودرس على يد ابن سهل المسيحي وأبي منصور الحسن بن نوح القمري ، وكان والداه وأخوه إسماعيليين ، ولكنه لم يقبل هذا المذهب بل رفضه بصراحة بقوله ” وأنا أسمعهم وأدرك ما يقولونه ولا تقبله نفسي ” (4 ).

ودرس الفلسفة والمنطق على يد عبد الله الناتلي الذي كان يسمى بالمتفلسف ، ثم انقطع عنه ، وأصبح يدرس لوحده فوجد صعوبة في ذلك ، إذ يقول : ” ثم توفرت على العلم والقراءة ، فأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة ، وفي هذه المدة ما نمت ليلة بطولها ولا اشتغلت النهار بغيره “( 5 )

وقد أغلق عليه كتاب أرسطو مابعد الطبيعة فقرأه أربعين مرة حتى يئس منه ولكن كتاب الفارابي في أغراض ما بعد الطبيعة كان له فتحا ليفهم كتاب أرسطو(6)

وكان إذا تحير في مسألة يتردد إلى المسجد ليصلي ويبتهل ” إلى مبدع الكل حتى ينتفح المغلق و ييسر المعسر “(7) .

و أفاد من نبوغه في الطب في معالجة المرضى حبأ للخير ، و استفادة للعلم ، وعلى إثر معالجته لمنصور بن نوح الساماني من مرض عجز عنه الأطباء ، فتح له أبواب مكتبته الزاخرة بنفائس الكتب و المجلدات ،فأقبل عليها يقرؤها

الوافي بالوفيات : صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أبيك بن عبد الله الصفدي ،  ج 4 ص250.

وفيات الاعيان وأنباء الزمن: ابو العباس شمس الدين احمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان ج 6 ص 268_274

أخبار العلماء بأخبار الحكماء: علي بن يوسف القفطي ،ج 2 ص117،بدون تحقق ،مكتبة المتنبي القاهرة، بدون طبعة ولا

عام

الوافي بالوفيات : صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أبيك بن عبد الله الصفدي ،  ج 4 ص250.

عيون الأنباء في طبقات الأطباء :ابن ابي أصيبعة موفق الدين ابو العباس احمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ،ج2 ص2،

4_المرجع السابق،ج2 ص2

5_المرجع السابق،ج2 ص2

6_المرجع السابق،ج2 ص2

7_المرجع السابق،ج2 ص2

كتابا بعد كتاب،”وكان عمره آنذاك ثماني عشرة سنة ” (1)  ،ثم رعاه نوح بن منصور بعد ابيه،ولكن حدث هناك اضطرابات توارى على اثرها عن الانظار عند صديق له يدعى ابو غالب العطار(2).

ثم سجن في قلعة (نزدوان) اربعة اشهر ،والصفدي يوردها باسم(مردوخان) (3).

كما  درس اللغة بعد محاورة بينه وبين ابي منصور الجبائي يومئ فيها الى هناته في علم اللغة ،فعكف ثلاث سنوات على دراستها ،حتى بلغى فيها مرتبة عظيمة ،واشتغل بعلم الارصاد ثماني سنوات(4)فنشأ الشيخ الرئيس كانت في بيت محب للعلم والعلماء، وفيه كانت علاقة ابن سينا بالحاكم ايجابية له في تمكينه من الاطلاع على مكتبته والاستفادة منها، وغادر بخارى عندما بلغ عمره واحد وعشرين سنة(5) .

ومن حبه للترحال والسفر :رحل الى خوارزم ومكث فيها عشر سنوات،وارتحل الى همذان فمكث فيها تسع سنوات وكان فيها وزيراللامير شمس الدين البويهي،ثم رحل الى بلاط السلطان علاء الدولة في اصفهان، ويذكر الصفدي وابن ابي اصيبعة انه رحل الى جرجان و الري(6)

1_المرجع السابق،ج2 ص2

2_المرجع السابق،ج2 ص2

3_الوافي بالوفيات:صلاح الدين ابو الصفا خليل بن ابيك بن عبد الله الصفدي،ج4 ص256

4_ الوافي بالوفيات:صلاح الدين ابو الصفا خليل بن ابيك بن عبد الله الصفدي،ج4 ص250.عيون الانباء في طبقات الاطباء :ابن ابي اصيبعة موفق الدين ابو العباس احمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ،ج2 ص2،بدون تحقيق,دار الثقافة بيروت ،طبعة عام1981م

5_المرجع السابق،ج2 ص2.

6_ الوافي بالوفيات:صلاح الدين ابو الصفا خليل بن ابيك بن عبد الله الصفدي،ج4 ص250_262، عيون الانباء في طبقات الاطباء :ابن ابي اصيبعة موفق الدين ابو العباس احمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي،ج2 ص2_8،بدون تحقيق,دار الثقافة بيروت ،طبعة عام1981م.

7_شذرات الذهب في اخبار من الذهب:ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن احمد العكري الدمشقي ،ج3 ص237.

8_انظر: الرد على المنطقتيين:شيخ الاسلام احمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ت728 ه،ص141_157،بدون تحقيق،مكتبة الحرمين الرياض،الطبعة الثانية عام 1394ه.نقض المنطق:ابن تيمية،ص87،صحهه محمد حامد الفقي،مكتبة السنة المحمدية القاهرة،بدون طبعة ولا عام .

درء تعارض العقل والنقل او موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول:ابن تيمية،ج1 ص9_11،تحقق الدكتور السيد والاستاذ سيد ابراهيم صادق،دار الحديث القاهرة طبعة عام2006م.مجموعة الفتاوى:ابن تيمية،ج6 ص516_517،اعتنى بها عامر الجزار وانور الباز دار الوفاء مصر.

كان ابن سينا كما اخبر عن نفسه هو وابوه من اهل دعوة الحاكم من القرامطة الباطنيين”فلا ادري من اين جاء بهذه المقالة مع وجود النفي الصريح كما قدمنا من ان الشيخ الرئيس لم يقبل الدعوة الاسماعيلية التي كان يعتقدها ابوه وامه واخوه وقوله”ايماني بالله لا يتزعزع فلو كنت كافرا فليس ثمة مسلم واحد حقيقي على ظهر الارض”2 بدأ يصنف في سن الواحدة والعشرين،وتوفي ابوه وعمره اثنان وعشرون سنة ،بعدها صار عنده اضطرابا كثيرا ،وكثر فيها اللهو والعبث كما كثر فيها الاخفاق خاصة في السياسة3

وهو حنفي المذهب”وكان رأيه في الفروع رأي الامام ابي حنيفة”4

الطبعة الثانية عام2001م.الرسالة الصفدية:ابن تيمية،ص7،تحقق محمد رشاد سالم،مكتبة ابن تيمية القاهرة،الطبعة الثانية عام 1406ه.منهاج السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية،ج1 ص356وج3 ص287 وج5 ص433،اعتنى بها محمد ايمن الشبراوي ،دار الحديث القاهرة،طبعة عام 2004م.

1_اغاثة اللهفان من مصائد الشيطان :شمس الدين ابو عبد الله محمد بن قيم الجوزي ت751ه،ص267،تحقق طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الصفا القاهرة ،الطبعة الاولى عام 2001م.

2_الوافي بالوفيات: صلاح الدين ابو الصفا خليل بن ابيك بن عبد الله الصفدي ،ج4 ص250.عيون الانباء في طبقات الاطباء:ابن ابي اصيبعة موفق الدين ابوالعباي احمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي،ج2 ص2،بدون تحقق، دار الثقافة بيروت،طبعة عام1981م.

3_المرجع السابق،ج2 ص2.

4_الوافي بالوفيات: صلاح الدين ابو الصفا خليل بن ابيك بن عبد الله الصفدي،ج4 ص255،تحقق الوليد بن مسلم و يعقوب بن يزيد وابراهيم شبوح ،منشورات المعهد الاماني للابحاث، الطبعة الاولى عام 2004م.

عرف الشيخ بألقاب كثيرة ذكرناها فيما سبق ، هذا من شهرته الفائقة و ذيوع صيته في العالم كفيلسوف إسلامي و طبيب عربي صاحب تصانيف كثيرة و مؤلفات عديدة ، هي في الأهمية بمكان جعلته يتصدر العلماء و يتفوقهم في مضماره و تخصصه .

و هذه الشهرة حصلها من تعبه على نفسه بالقراءة و المطالعة مع حسن الحفظ و الذكاء و النباهة ، حيث تبوأ من العلم ولا سيما في الفلسفة و علم الطب و علم النفس و كذلك في الطبيعات و الهندسة و الرياضيات و الكيمياء ، فكتبه تدل على علمه الواسع الفذة .

وقد ألف أكثر من مائتي كتاب في مواضيع مختلفة تدل على أسبقيته لعلماء عصره و لمن جاء بعده ، فقد كان سابقأ لعصره في مجالات فكرية و علمية و فلسفية متعددة ، فهو يعد دائرة مراجع فلسفية و طبية و ذلك من اّرائه و نظرياته و مذهبه السينوي الخاص . وبسبب شهرته الواسعة تسابق للاحتفال بذكراه عدة مجامع علمية ،واول من احتفل بذكراه الاتراك في عام 1937م عندما اقامو مهرجانا ضخما بمناسبة مرور تسعمائة سنة على وفاته ،وفي عام 1952 م في بغداد و عام 1954 م في طهران ،و في عام 1978 م دعت منظمة اليونسكو كل اعضائها للمشاركة في احتفال احياء ذكرى مرور الف عام عللى ولادة ابن سينا ،و ذلك اعترافا بمساهماته العلمية في مجال الفلسفة و الطب ، حيث اقيم الاحتفال عام 1980 م (1).

ومن شهرته نشر كتبه بشكل واسع و قراءتها  من قبل طلاب العلم و العلماء و الرجوع اليها كمصادر للفلسفة و الطب ،و تررجمتها الى اكثر من لغة و اكثر من مرة و اعتمادها في الجامعات العالمية ، فكتاب القانون ترجم الى اللاتينية اكثر من مرة .

1_مجلة اليونسكو ،ص45 ، عدد تشرين الاول عام 1980 م.

المطلب الرابع :شيوخه وتلاميذه .

درس ابن سينا على يد ابي سهل المسيحي و ابي منصور الحسن بن نوح القمري و ابو عبد الله الناتلي ،و درس اللغة والادب في بداية حياته على يد ابي بكر احمد بن محمد البرقي الخوارزمي(3)،”وكان يتردد على اسماعيل الزاهد ويناظر فيه ويبحث عنده “(4)،

“و اعلن ابن سينا عن انضمامه الى الجمعية العلمية في بلدة كوركانج التي كانت في ذلك الوقت مركزا للعلم و الثقافة ،مع زمرة من رجال العلم مثل ابو سهل المسيحي و الطبيب ابو الخير الحسن بن الخمار و الرياضي ابو نصر بن العراق”(5).

وممن لازمه ابو الحسن العروضي ،الذي صنف له المجموع كما يذكره الصفدي( 6)،وكذلك ابو بكر الخوارزمي فقيه النفس ،الذي الف له كتاب(الحاصل و المحصول )،وكتاب (البر والاثم )في الاخلاق ، وكان يقول :”وهذان الكتابان فلا يوجد الا عنده”(7).

و اما ابو محمد الشيرازي فكان يحب العلوم،”وقد اشترى للشيخ الرئيس دارا في جواره “(8 )هذا بجرجان ،و كان يختلف اليه في كل يوم يقرأ عليه (المجسطي ) ويستملي المنطق ،فأملى عليه (المختصر الاوسط ) وقد الف له كتابين )المبدأ و المعاد) وكتاب (الارصاد الكلية )”واقام في دار ابي غالب العطار متولي”.

1_المرجع السابق .

2_الملل والنحل : ابو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهر ستاني ت548ه ،ج2 ص150 ،تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي ،المكتبة العصرية بيروت ،طبعة عام 2003 م.

3_الوافي بالوافيات :صلاح الدين ابو الصفا خليل بن ابيك بن عبد الله الصفدي ،ج4 ص250_251،تحقيق يعقوب بن يزيد و ابراهيم شبوح ،منشورات المعهد الالماني للابحاث ،الطبعة الاولى عام 2004 م.كشف الظنون عن اسامي الكتب و الفنون :مصطفى بن عبد الله (حاجي خليفة )ت 1067 ه ،ج3 ص276،تحقيق غوستاف فلوغل ،دار صادر بيروت الطبعة الاولى عام 1999 م.

4_المرجع السابق ،ج3 ص276.

5_جهاز مقالة (اي اربع مقالات ):محمد بن عمر بن علي المعروف بالنظامي العروضي السمرقندي ،ص118،نشره ادوارد براون ،طبعة عام 1921 بدون دار نشر

6_الوافي بالوافيات :صلاح الدين ابو الصفا خليل بن ابيك بن عبد الله الصفدي ،ج4 ص251،تحقيق الوليد بن مسلم و يعقوب بن يزيد و ابراهيم شبوح ،منشورات المعهد الالماني للابحاث ،الطبعة الاولى عام 2004 م .

7_المرجع السابق:ج4 ص251.

8_ المرجع السابق:ج4 ص251

المطلب الخامس :مؤلفاته ووفاته .

يعتبر الشيخ الرئيس ابن سينا عبقرية فذة جديرة بالدهشة والاعجاب ،وله مكانة رفيعة في سجل الحكماء العباقرة الذين تدين لهم الانسانية بالشئ الكثير في تطورها الفكري و تقدمها الطبي و العقلي ،و لم يجود الزمان بمثله .

و تقوم عبقريته على ذكائه المنقطع النظير و دهائه السياسي و لبلقته الاجتماعية ،فشخصيته متعددة النواحي :فيلسوفا مع الخاصة ،وزاهدا ورعا مع العامة ،مندفعا مع هواه منضبطا مع عقله و منطقه .

وقد ذكر المؤرخين لابن سينا مصنفات كثير ومتعددة تزيد عن مائتي كتاب و رسالة ،وبعض المؤرخين قال انها لم تتعد المائة ،وصل الينا بعضها و الآخر بقي مخطوطا ،نذكر اشهرها بحسب انواع العلوم كما يلي :

في الفلسفة :الاشارات و التنبيهات ،الشفاء ،النجاة موجز الشفاء ،الحكمة المشرقية و لم يصل الينا ،رسالة الطير ،سلامان و ابسال ،حي بن يقظان و هي ما سوف نتكلم عنه _ان شاء الله _ في فلسفته و مذهبه الفلسفي والمعرفة عنده على ضوء هذه الرسالة .

في العلوم الالية : وتشمل على كتب المنطق و ما يلحق بها من كتب اللغة و الشعر و الطب مثل كتاب الشفاء في قسمه الاول في المنطق، وكتاب القانون في الطب ،و كتاب اسباب حدوث الحروف .

في العلوم النظرية :و تشمل على كتب العلم الكلي و العلم الالهي و العلم الرياضي “و من تصانيفه :المعاد ،رسالة في الحكمة ، الشفاء

1_المرجع السابق :ج4 ص254.

2_المرجع السابق :ج4 ص254.

3_انظر: القانون في الطب :الحسين بن عبد الله بن الحسين بن علي بن سينات 428 ه ،ج ص ،تحقيق جبران جبور و خليل ابو خليل و شوكت الشطي ،مؤسسة المعارف ،الطبعة الاولى عام 1998 م .

اسرارالحكمة المشرقية،اسرارالصلاة ،لسان العرب (1) وهذا الاخير لم               يصل الينا .

في الرياضيات : رسالة الزاوية ،مختصر اقليدس ،مختصر الاتماطيقي، مختصر علم الهيئة ،مختصر المجسطي ،رسالة في بيان علة قيام الارض في وسط السماء.

في الطبيعيات :  جمعت في الشفلء و النجاة ،و كذلك :رسالة في ابطال احكام النجوم ،رسالة في الاجرام العلوية ،اسباب البرق و الرعد ،رسالة في الفضاء ، رسالة في النبات و الحيوان , الارصاد الكلية ،رسالة الالة الرصدية.

في الموسيقى : مقالة جوامع علم الموسيقى ،مقالة في الموسيقى ،وقد الف اكثر من اربع و عشرين مقطوعة موسيقية .

في الطب : القانون ،الادوية القلبية ،دفع المضار الكلية عن الابدان الانسانية ، القولج ، رسالة في الفصد ، رسالة البدن و فضائل الشراب ،رسالة في تشريح الاعضاء ،رسالة في الفصد ، رسالة في الاغذية و الادوية ،وله ارجيز طبية نذكر منها :ارجوزة في التشريح ،ارجوزة  في المجرات في الطب،الالفية الطبية المشهورة التي ترجمت و طبعت(2)

توفي في همذان من رمضان سنة 428 ه ،”و قبره تحت سور همذان ،و قيل انه نقل الى اصبهان بعد ذلك “(3).

و عليه :فإنه و بعد دراستنا لحياة ونشأة شخصية ابن سينا فإننا نجد هناك من يقول بروعه و تقواه ، و هناك من يصفه بالكفر و التهتك و الزندقة :فمن قال بورعه و فضله بالعلوم و أنه علامة القوم : الشهر ستاني 4 .

الوفي بالوفيات : صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أبيك بن عبد الله الصفدي  ، ج 4 ص 255 .

عيون الأنباء في طبقات الأطباء :

تاريخ حكماء الإسلام : ظهير الدين البيهقي ، ص 65 – 82 ، تحقيق ممدوح حسن محمد ، مكتبة الثقافة الدينية مصر القاهرة ، الطبعة الأولى عام 1996 م . وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : أبو العباس شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن خلكان ، ج 6 ص 268 – 274 ، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر بيروت ، طبعة عام 1900 م

المرجع السابق : نفس الصفحة ونفس الجزء ج 6 ص 268 -274

عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ابن أبي أصيبعة موفق الدين أبو العباس أحمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ، ج 2 ص 5 ، بدون تحقيق ، دار الثقافة بيروت ، طبعة عام 1981 م

الملل والنحل : أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ت 548 هـ ج 2 ص 150 ، تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي ، المكتبة العصرية بيروت ، طبعة عام 2003 م .

المنفذ من الضلال ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي : حجة الإسلام أبو حامد محمد الغزالي ت 505 هـ ،ص 584 ، تحقيق إبراهيم أمين محمد ، المكتبة التوفيقية القاهرة ، بدون طبعة ولا عام .

الرد على المنتقيين : شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ت 728 هـ ص 141 – 157 ، بدون تحقيق ، مكتبة الحرمين الرياض ، الطبعة الثانية عام 1394 هـ . نقض المنطق : ابن تيمية ص 87 صححه محمد حامد الفقي ، مكتبة السنة المحمدية ، القاهرة بدون طبعة ولا عام . درء التعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول : ابن تيمية ج 1 ص9 – 11 ، تحقيق الدكتور السيد محمد السيد والأستاذ سيد إبراهيم صادق ، دار الحديث القاهرة ، طبعة عام 2006 م . مجموعة الفتاوى : ابن تيمية ، ج 6 ص 516 – 517 ، اعتنى بها عامر الجزار وأنور الباز ، دار الوفاء مصر ، الطبعة الثانية عام 2001 م . الرسالة الصفدية : ابن تيمية ، ص 7 ، تحقيق محمد رشادسالم ، مكتبة ابن تيمية القاهرة ، الطبعة الثانية عام 1406 هـ . منهاج السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية ، ج 1 ص 356 و ج 3 ص 287 و ج 5 ص 433 ، اعتنى بها محمد أيمن الشبراوي ، دار الحديث القاهرة ، طبعة عام 2004 م

المبحث الثاني : الحالة السياسية والفكرية السائدة في عصر ابن سينا .عاش ابن سينا في خضم ظروف عاصفة و مليئة بالإضرابات و التقلبات ال

سياسية ، حيث عاش فترة انحطاط الدولة العباسية في عهود الخلفاء الطائع و القادر و القائم و غيرهم 2 ، و هذا ما جعل البلاد نهبا للطامعين من كل حدب و صوب ، فاقتطعت من البلاد مناطق كثيرة ، و أقيمت فيها دويلات متخاصمة و متناحرة فيما بينها ، و لم تقتصر حالة الوهن عللى هذه الأطلااف بل وصلت إلى مركز الخلافة حيث سيطر على الملك في بغداد ، و أصبح الخليفة ألعوبة بأيديهم ، و بلغت حالت الضعف هذه ذروتها مع سقوط الدولة البويهية و قيام الدولة السلجوقية بزعامة طغرلبك 3 .

فابن سينا عاش في محيط مرسوم بدم الفتن و الحروب و اللاضرابات و يصحبها في بعض الأحيان اضطهاد ، مما أدى إلى عدم استقراره في بلد و تكثر رحلاته ، فرحل إلى بخارى و كركانج و خوارزم و قزوين و خرسان و دهستان و جرجان و الري و همزان و أصفهان ، و تسلم الوزارة مرتين و انقلبت الأمور ضده وفر و اختبأ عن العيون و سجن في قلعة نردوان و نهب بيته 4 .

و هذه الأحوال السياسية صرفته عن اللإشتغال بالعلم أحيانأ كثيرة و لكنه مع كل هذا لم ينقطع عن التألف في جميع أحواله ” فلم تثنه الوزارة و لا حال بينهما السجن “ 5 ، و في ذلك ما فيه قوة الإرادة و خاصية الثبات و التصميم و العزم . و يذكر عبره الشمالي عوامل فكرية كانت سائدة في عصره لأثرت في شخصيته و صياغة فكلاة و فلسفة مذهبه ، فيقول : ” و كان هناك عوامل أثرت في شخصيته أثرأ بالغأ و هي :

أولأ :شيوخ الترجمات و الشروح و التاّليف العلمية و الفلسفية .

1-سورة الأنعام : اّية 54 .

2- انظر: تاريخ حكماء الإسلام : ظهير الدين البيهقي ، ص 65-82.

الوافي بالوفيات : صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أبيك بن عبد الله الصفدي ، ج4 ص250 ، تحقيق الوليد بن مسلم و يعقوب بن يزيد و إبراهيم شبوح ، منشورات المعهد الألماني للأبحاث ، الطبعة الأولى عام 2004 م . عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ابن أبي أصبيعة موفق الدين أبو العباس أحمد بي قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ، ج 2 ص2 ، بدون تحقيق ، دار الثقافة بيروت ، طبعة عام 1981 م .

3-المرجع السابق نفس الجزء و نفس الصفحة ، ج 2 ص2 .

4-المرجع السابق نفس الجزء و نفس الصفحة ، ج 2 ص2 .

5- دراسات في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية و اّثارها رجالها : عبده الشمالي ، دار صادر بيروت ، الطبعة الخامسة عام 1979 م.

ثانيأ : ميل الرأي العام إلى تاييد الفلسفة أو الإغضاء عنهم “1.

و أضيف إلى ما سبق الأمور التالية :

أولأ : المحن التي مر بها من السجن و الفرار و المؤامرات التي حيكت ضده و الدسائس شكلت فيه شخصية قادرة على التغلب على الأزمات ، شخصية علمية عملية تجريبية واثقة بالذي تقوم به ، و الإبداع يولد في الشدة و المحنة و الحاجة أم الاختراع .

ثانيأ : كثرة ترحاله و سفره في البلاد ، و السفر يجلي الشخصية و يوسع الفكر و يفتح الاّفاق أمام الإنسان ، و يعلمه الكثير مما لا يتعلمه في الحضر .

إذن : في مناخ من الفتن و الحروب و الأضطرابات ، و في أسرة من بيت محب للعلم و العلماء ، و في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية : نشأ الشيخ الرئيس ، و اصطبغت نفسيته ، و تشكل فكره في ذلك القالب ، فإنتاج مذهبأ فريدأ و فكرأ رائعأ غير مسبوق إلى الاّن نرجع إليه و نستمد منه و نتكأ عليه .

المرجع السابق :ص346_347

الفصل الثالث:السهروردي 550_587 ه (فيلسوف الاشراق )

المبحث الاول : حياة السهروردي و مؤلفاته العلمية .

المطلب الاول : اسمه و نسبه.

المطلب الثاني : نشأته و رحلاته.

المطلب الثالث : شهرته وعلاقاته بالحكام.

المطلب الرابع : شيوخه و تلاميذه.

المطلب الخامس :مؤلفاته ووفاته.

المبحث الثاني : الحالة السياسية و الفكرية السائدة في عصر السهروردي.

الفصل الثالث

السهروردي

المبحث الاول : حياة السهروردي و مؤلفاته .

المطلب الاول : اسمه و نسبه .

لقد اختلف من ترجموا للسهروردي في اسمه و لقبه و نسبه ،فقال بغضهم : عمر شهاب الدين السهروردي .

وهو صاحب التصانيف و هو احد اعلام التصوف المشهورة (1).

فيقول الصفدي : “اختلف في اسمه فقال صاحب المرآة : محمد السهروردي و لم يذكر اباه ، و قال ابن ابي اصيبعة في تاريخ الاطباء : عمر و لم يذكر اباه ، و قال القاضي شمس الدين ابن خلكان : يحيى بن اميرك ” ثم يقول :” و لعل هذه التسمية هي الصحيح “(2).

و لعل الصفدي قد اختلط عليه الامر فقد و جدت عند اليافعي صاحب مرآة الجنان : “سنة 587 ه : و فيها توفي الحكيم شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي المتقول بحلب ، و شيخه مجد الدين الجيلي ، و يقال انه كان يعرف السيمياء “(3).

و اما ابن ابي اصيبعة فعندما رجعنا الى عيون الانباء نجده يذكره باسم:

“عمر شهاب الدين السهروردي ، وهو صاحب التصانيف المشهورة “(4)

فزيادة “شهاب الدين ” تشير الى السهروردي المتقول ، و المتقول من السهرورديين لم يكن الايحيى بن حبش ، و عليه فان ترجيحه هو الصحيح.

و يبدو ان اسم السهروردي قد اختلط على بعض المؤرخين ، وبعض من كتبوا في مجال التصوف من المحدثين بعدة اسماء من الشخصيات او جماعة من الفقهاء المتصوفة كما جاء في القاموس الاسلامي (5)، و هم على حد علمنا و ما آل اليه بحثنا خمسة اشخاص و هم :

السهروردي : 545_532 ه ، ابو فحص عمر بن محمد السهروردي عم الشيخ ابو النجيب السهروردي،كان عالما وتصوف ثم اعرض عن ذلك6.

1_الكواكب الدرية  في تراجم السادة الصوفية المعروفة بالطبقات الكبرى : زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ت1021 ه ،ج2 ص310 ،تحقيق محمد اديب الجادر ، دار صادر بيروت ،الطبعة الثانية عام 2007 م.

2_الوافي بالوفيات : صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أبيك بن عبد الله الصفدي ، ج1 ص279 ، تحقيق الوليد بن مسلم و يعقوب بن يزيد و إبراهيم شبوح ، منشورات المعهد الألماني للأبحاث، الطبعة الاولى عام2004م.

3_مرآ الجنان و عبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان : الامام ابو محمد عبد الله بن اسعد بن علي بن سليمان اليافعي ت768 ه،ج3 ص434،دار الكتاب الاسلامي القاهرة ،بدون تحقيق الطبعة الثانية عام 1993م .

4_عيون الانباء في طبقات الاطباء :ابن ابي اصيبعة موفق الدين ابو العباس احمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ،ج2 ص171،بدون تحقيق ،دار الثقافة بيروت،طبعة عام 1981 م.

5_انظر:القاموس الاسلامي :احمد عطية، ص540، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، بدون طبعة ولا عام.

6_اللباب في تهذيب الانساب : عز الدين ابو الحسن علي بن محمد الاثيرات 630 ه ،ج1 ص580 ،بدون تحقيق ،مكتبة القدس القاهرة ،طبعة عام 1938 م .

و قال المناوي عنه :”قال ابن الملقن : و لابي النجيب _ يعني صاحب الترجمة_اخ يقال له ابو حفص عمر ، سمع و تفقه و تصوف و اعتزل حتى مات سنة اثنتين و ثلاثين و خمسمائة” 1 ، و أورده في الفهارس بإسم : عمر بن عبد الله بن محمد السهروردي أبو حفص ،و على هذا يكون أبو حفص كما في الروايتين إما عمه للأبي النجيب أو أخوه ، و قد أكد أحمد الغماري أنه عم عمه فيقول : ” هو وجيه الدين و ليس بأبي حفص عمر بن محمد شهاب الدين ، صاحب عوارف المعارف ، إنه هو عم عمه ضياء الدين”2 .

السهروردي : 490-563 ه ، ” أبو النجيب ضياء الدين عبد القاهر بن عبد الله بن محمد ين عمويه السهروردي ، أحد أكابر الشافعية ، و أعظم مشايخ الصوفية ، أخذ عنه الأكابر : ابن السمعاني و ابن عساكر و ابن أخيه الشهاب السهروردي ، مات ببغداد “ 3 ، و له ولد اسمه أبو الرضا عبد الرحيم و اّخر اسمه عبد اللطيف ، و عند اليافعي : ” هو أبو النجيب عبد القاهر بن عبد الله السهروردي القرشي البكري – نسبة إلى سيدنا أبي بكر الصديق – و هو أحد من درس بالنظامية ، وكان يلقب : مفتي العراقين ” 4 ، و قد ذكره الشعراني أنه ” كان يتطيلس و يلبس لباس العلماء ، و انعقد عليه إجماع المشايخ و العلماء بالإحترام ” 5 .

السهروردي : 550- 587 ه ،أبو الفتوح يحيى بن حبش السهروردي المقتول ، و قال المناوي : ” يحيى بن حبش الشهاب السهروردي ، كذا سماه بعضهم ” 6 ، ثم أورد كلام ابن خلكان عنه  أنه كان شافعي المذهب ” و اتهم بانحلال العقيدة ” ، وقال غيره: ” كان أوحد زمانه في علمالحكمة عارفأ بالتصوف ، ماهرأ في أصول الفقه ، مفرط الذكاء ،عجيب القريحة ،طاف البلاد على طريق  الفقر و التجريد”7، و قد أطلق عليه اسم ” الشهاب المقتول ” أو” الحلبي المقتول ” علماء الحكمة و الأصول، لأنه قتل في حلب عندما أفتى علماؤها بإباحة دمه و رفعوا ذلك إلى ” الملك الظاهر غازي بعد

1_الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى :زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ت1021 ه ،ج2 ص250_253 ،تحقيق محمد اديب الجادر ،دار صادر بيروت ،الطبعة الثانية عام 2007 م .

2_علي بن ابي طالب : احمد محمد الغماري السخاوي ،ص157 ،تحقيق احمد محمد مرسي ،الطبعة الاولى عام1969 م .

3_ الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى :زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ت1021 ه ،ج2 ص250_253 ،تحقيق محمد اديب الجادر ،دار صادر بيروت ،الطبعة الثانية عام 2007

4_ مرآة  الجنان و عبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان : الامام ابو محمد عبد الله بن اسعد بن علي بن سليمان اليافعي ت768 ج 3 ص 372_373الكتاب الاسلامي القاهرة ،بدون تحقيق الطبعة الثانية عام 1993م .

5_الطبقات الكبرى المسملة بلواقح الانوار في طبقات الاخيار : الامام ابو المواهب عبد الوهاب بن احمد بن علي الشعراني ت 973 ه ،ص199 ،ضبطه و صححه عبد الغني محمد علي الفاسي ،دار الكتب العلمية لبنان ،الطبعة الثانية عام 2006 م .

6__ الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى :زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ت1021 ه ،ج2 ص310 ،تحقيق محمد اديب الجادر ،دار صادر بيروت ،الطبعة الثانية عام 2007.

اختصاصه به بامر عمه صلاح الدين “(1) يعني الايوبي ،وقد لقب باسم

” المؤيد بالملكوت “(2)

السهروردي : توفي 627 ه ، شرف الدين ابو الروح عيسى بن محمد بن محمد بن قراجا الصوفي “اجتمع باخوان الصفا ،مات سنة سبع و عشرين و ستمائة “(3)، ولم تذكر التراجم تاريخ مولده .

السهروردي : محمد بن حمزة الشهير ب “آق” شمس الدين ابن العارف بالله الشهاب السهروردي “نشأ بدمشق ثم مع والده و هو طفل الروم ،كان طبيبا للابدان كما كان طبيبا للارواح ،و له في طب تصانيف و له رسائل كثيرة في التصوف و الطب “(4) ،و لم تذكر التراجم له تاريخ مولده ولا تاريخ وفاة ،و لم تأت على ذكر تصانيفه.

اذن : بعد النظر و التحقق و التثبت في كل هذه النصوص و مراجعة كتب التراجم و الرجال نجد اسمه على الصحيح : ابو الفتوح يحيى بن حبش بن اميرك شهاب الدين السهروردي الحلبي المقتول ،المؤيد بالملكوت ، صاحب “نظرية الاشراق او الحكمة المشرقية ” ، وقد لقب بالمقتول لئلا يعتبر شهيدا ، ولكن تلاميذه اعتبروه شهيدا ، لانه قتل بغير حق ووشاية به .

المطلب الثاني : نشأته ورحلاته .

ولد سنة خمسمائة وخمسون كما يذكر المناوي انه قتله الملك الظاهر غازي بعد اختصاصه بأمر عمه صلاح الدين الايوبي “وذلك بحلب سنة ست و ثمانين و خمسمائة هجري ، وعمره ست و ثمانين و خمسمائة  هجري ،وعمره ست و ثلاثون سنة “(5)، وعلى هذا يكون مولده سنة 550 ه.

ومع ذلك فان المراجع التي بين ايدينا لا تذكر تفصيلات وافية عن تاريخ مولده بشكل دقيق و نشأته الاولى و تعليمه ، ولا تلقي ضوءا ساطعا على نسبه واسرته

1_انظر :مرآ ة الجنان و عبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان : الامام ابو محمد عبد الله بن اسعد بن علي بن سليمان اليافعي ت768 ج 3  ص434_437 ، لكتاب الاسلامي القاهرة ،بدون تحقيق الطبعة الثانية عام 1993م .

الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى : زين محمد عبد الرؤوف المناوي ت 1021 ه ،ج2 ص311 ،تحقيق محمد اديب الجادر ،دار صادر بيروت ،الطبعة الثانية عام 2007 م .

2_القاموس السلامي :احمد عطية ،ص540 ،مكتبة النهضة المصرية القاهرة ،بدون طبعة ولا عام .الوافي بالوفيات :صلاح الدين ابو الصفا خليل بن ابيك بن عبد الله الصفدي ،ج1 ص279 ،تحقيق الوليد بن مسلم و يعقوب بن يزيد و ابراهيم شبوح ،منشورات المعهد الالماني للابحاث ، الطبعة الاولى عام 2004 .

3_الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى :زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ت1021 ه ،ج4 ص 428،تحقيق محمد اديب  الجاد ، دار صادر بيروت ،الطبعة الثانية عام 2007 م . ارغام اولياء الشيطان بذكر مناقب اولياء الرحمن المعروف بالطبقات اصغرى : زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ت1021 ه ج4 ص 341_342 ، تحقيق محمد اديب الجاد ، دار صادر بيروت ، الطبعة الثانية عام 2007 م .

4_ ارغام اولياء الشيطان بذكر مناقب اولياء الرحمن المعروف بالطبقات اصغرى : زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ت1021 ه ج4 ص 561_564 ، تحقيق محمد اديب الجاد ، دار صادر بيروت ، الطبعة الثانية عام 2007

5_ الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى :زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ت1021 ه ،ج4 ص 311 ،تحقيق محمد اديب  الجاد ، دار صادر بيروت ،الطبعة الثانية عام 2007 م

التي نشأ بها ،حتى ان معظم المراجع بنقل بعضها عن بعض في الغالب ،و لا تذكر شيئا عن مولده و حياته الاولى .

و نجد الدكتور محمد علي ابو ريان لا يحدد سنة و لادته و يجعلها بين سنة 545_550 ه ، و يستدل على عدم مقدرته لتحديد سنة ولادته بضرب مثال تلميذه الشهرزوري ،التلميذ المباشر للسهمروردي “وشاح مؤلفاته لا نجد في ترجمته المطولة للسهروردي اجابة شافية عن هذه الاستفسارات “

على حين يرجح الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح سنة ولادته بسنة 549ه _1155م ،مع تشككه بسنة مقتله و كم كان عمره :هل هو ست و ثلاثون ام ثمان و ثلاثون سنة من عمره ؟وهل هي سنة 586 ه ام 587 ه (2) ، مع ان الروايات المذكورة بسنة وفاته تجعلها في سنة 578 ه ، وتكاد الروايات تجمع على ذلك .

والذي ارجحه انه ولد سنة 550 ه ،وبسبب صغر سنه و كثرة اسفاره في البلاد جعله هذا الامر مغمورا و عدم اشتهاره بين الناس العامة و الخاصة .

ولد ببلة سهرورد _بضم السين _من اعمال زنجان من عراق العجم ،بلدة تقع بالجبال في الشمال الغربي من ايران في ميديا القديمة (3).

وبدأ حياته العلمية بمراغة من اعمال اذربيجان ثم ارتحل الى اصفهان ،فاتم دراسته هناك (4)، ثم لديه “حياة التنقل و الاسفار مهتما بغشيان جماعات الصوفية ،محبا للوحدة التي هيأت لحياته الروحية التأملية السلوك في معارج اهل الطريق “(5)، يبحث عن حقيقة نور الانوار للترقي في درجات المعرفة و اليقين ، والوصول الى الحقيقة الكبرى ،و كان يقول عن نفسه :”و ها انا ذا قد بلغ سني الى قريب من ثلاثين سنة واكثر عمري في الاسفار والاستخبار و التفحص عن مشارك مطلع على العلوم ،و لم اجد من عنده خبر عن العلوم الشريفة ولا من يؤمن بها “(6).

وفي اثناء تجواله في البلاد و ترحاله و سفره من اجل اكتساب العلوم الشريفة تعرف على فخر الدين الرازي (ت 594 ه ) الذي كان يثني عليه كثيرا و يقول فيه “ما اذكى هذا الشاب و افصحه ، و لم اجد احدا مثله في زماني ،الا اني اخشى عليه

1-أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي : الدكتور محمد علي أبو ريان ، ص 19 ، دار الطلبة العرب بيروت ، الطبعة الثانية عام 1969 م .

2-نشأة الفلسفة الصوفية و تطورها : الدكتور عرفان عبد الحميد الفتاح ، ص 233– 237 ، دار الجيل بيروت ، الطبعة الأولى عام 1993 م .

3-انظر : عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ابن أبي أصيبعة موفق الدين أبو العباس أحمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ، ج 2 ص 171 ، بدون تحقيق ، دار الثقافة بيروت ، طبعة عام 1981 م . وفيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان ، ج3 ص256 ، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر بيروت ، طبعة عام 1900 م . شذرات الذهب في أخبار من الذهب : ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي ، ج 4 ص 290 ، تحقيق عبد القادر و محمد الأرناؤوط ، دار ابن كثير مصر القاهرة  ، الطبعة الأولى عام 1996 م . الكواكب الدرية في ترجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى : زين الدين محمد عبد الرؤوف المنوي ت 1021 ه ، ج 2  ص 310 -311 ، تحقيق محمد أديب الجادر ، دار صادر بيروت ، الطبعة الثانية عام 2007 م . معجم الأدباء : شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي ، ج 9 ص 314 -316 ، بدون تحقيق ، دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الأولى عام 2001 م .

4-مرجع السابق:نفس الصفحة ونفس الجزء ج 9 ص 314 – 316

5-سهروردي الحلبي ( مؤسس المذهب الإشراقي ) السهروردي المقتول ضمن كتاب شخصيات قلقة في الإسلام : هنري كوربان ص 98 ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي طبعة القاهرة عام 19694 م .

6- المشارع والمطرحات ضمن مجموعة في الحكمة المشرقية : أبو الفتوح يحيى بن حبش السهروردي ت 587 هـ ، ص 505 ، تحقيق هنري كوربان طبعة إستنبول عام 1945 م .

لكثرة تهوره واستهتاره وقلة تحفظه أن يكون ذلك سببا لتلافه”وقد كان ذلك فعلا كما قال .

ثم اتجه غربا إلى بلاد الأنا    ضول وديار بكر ثم انتقل من هناك إلى سورية حيث استقر بحلب إلى أن لقي مصرعه 2

فهو قد طاف البلاد”على طريق الفقر والتجريد”3 حتى قدم حلب فناظر أهلها واستهتر بهم وشطح وتهتك بكلمات الحكماء والصوفية وجهر بذلك”4  ،وكان يقول عنه المناوي:” قال الأمدي : اجتمعت به فرأيت علمه أكبر من عقله ” 5  ولكن اليافعي ينقل عن ابن الجوزي في تاريخه عن ابن شداد أنه قال : ” أقمت بحلب للاشتغال بالعلم الشريف ورأيت أهلها مختلفين في أمره”6 و هذا

الاختلاف فيه بسبب ما كان يكيد له الفقهاء والعلماء من أهل حلب له،حسدهم إياه على علمه وذكائه، وما كان في عصره من خوف من الدعوات الباطينية والصوفية الفلسفية.

المطلب الثالث: شهرته وعلاقته بالحكام .

تصور المصادر والمراجع السهروردي أديبا شاعرا ذكيا،بارعا في الحكمة والفلسفة والفقه والأصول،محاججا لم يناظره مناظر إلا قطعه وأفحمه وظهر عليه،وكان مع هذا مقتصدا في حياته،محتقرا لكل مظاهر الأبهة والترف والسلطان،فلم تكمن له علاقة وطيدة بالحكام،بل كان ينبذهم ويعاديهم وينكر عليهم،بحكم تصوفه ولبسه الخرقة،والتصوف زهد والحكام في ترف ونعيم وهذا ينافي الزهد الذي يحمله ويدعو إليه،فكان ليس له علاقة بالحكام،”كان دنيء الهمة،زري الخلقة،دنس الثياب،وسخ البدن،لا يغسل ثوبا ولا جسما ولا يدا،ولا يقص ظفرا ولا شعرا،وكان القمل يتناثر على وجهه وسعى على ثيابه،وكل من يراه يهرب منه،وهذه الأشياء تنافي الحكمة والعقل والشرع “. 7

1- عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ابن أبي أصيبعة موفق الدين أبو العباس أحمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ، ج 2 ص 171 ، بدون تحقيق ، دار الثقافة بيروت طبعة عام 1981 م . وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان ، ج3 ص 256 ، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر بيروت ، طبعة عام 1900م .

شذرات  الذهب في أخبار من الذهب : ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي ،

ج 4 ص 290 ، تحقيق عبد القادر و محمد الأرناؤوط ، دار ابن كثير مصر القاهرة ، الطبعة الأولى عام 1996 م . الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى : زين الدين محمد عبد الرؤوف المنوي ت 1021 ه ، ج 2 ص 310 ، تحقيق محمد أديب الجادر ، دار صادر بيروت ، الطبعة الثانية عام 2007 م . معجم الأدباء : شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي ، ج 9 ص 314 – 316 ، بدون تحقيق ، دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الأولى عام 2001 م .

2-المرجع السابق : نفس الصفحة و نفس الجزء ، ج 9 ص 314 -316 .

3-. الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى:

زين الدين محمد عبد الرؤوف المنوي ت 1021 ه ، ج 2 ص 310 – 311تحقيق محمد اديب الجادر دار صادر بيروت ، ، الطبعة الثانية عام 2007 م .

4–المرجع السابق : نفس الصفحة و نفس الجزء ، ج 9 ص 310– 311

5-المرجع السابق : نفس الصفحة و نفس الجزء ، ج 9 ص 310– 311  .

6- مراّة الجنان و عبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان : الإمام محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي ت 768 ه ،ج 3 ص 434 – 437 ، دار الكتاب الإسلامي القاهرة ، بدون تحقيق ، الطبعة الثانية عام 1993 م . الوافي بالوفيات : صلآح الدين أبو الصفا خليل بن أبيك بن عبد الله الصفدي ، ج 1 ص 279 ، تحقيق الوليد بن مسلم و يعقوب بن يزيد و إبراهيم شبوح ، منشورات المعهد الألماني للأبحاث ، الفطبعة الأولى عام 2004 م .

7- الوافي بالوفيات : تحقيق الوليد بن مسلم و يعقوب بن يزيد و إبراهيم شبوح ، منشورات المعهد الألماني للأبحاث ، الفطبعة الأولى عام 2004 م .

ويعد السهروردي مؤسس المذهب الإشراقي بإجماع العلماء قديما وحديثا كما يقول هنري كوربان فنحن أمام شخصية طموحة تسعى لتلقي العلوم والمعارف وتلقى في سبيل ذلك من عنت السفو ومشقة الطريق ما لا يثنيها عن مداومتها للاستزادة

ومع هذا لم تبلغ شهرته عند العوام والخواص مبلغها وذلك

لصغر سنه ومقتله وهو ابن سبع وثلاثين سنة فلم يبلغ أوجه الفكري ولم يعط العطاء الكامل بعد

ثم إنه كان بسبب استهتاره ولبسه الخرقة وعدم اهتمامه بمظهره وحاله نفر الناس من حوله وأدى به الحال أن يكون مغمورا نوعا ما

وكذلك اختلاف الفقهاء والعلماء فيه سبب لعدم شهرته

وأنه لم يكن يتقرب ويتزلف إلى الحكام الذين كانوا يرعون العلماء ويحتضنوهم ويشهرونهم عند العامة والخواص

وهذه الأسباب كلها أدت إلى عدم وجود ترجمة كافية ووافية له وقد وجدنا صعوبة في تحصيل هذه المعلومات عنه

المطلب الرابع شيوخه وتلاميذه

تجمع المراجع التي وصلت إليها على أنه بدا حياته العلمية باتصاله بأستاذه مجد الدين الجيلي في مراغة من أعمال أذربيجان حيث كان شيخه فقيه أصولي متكلم فلازمه فترة تلقى هذه العلوم على يديه علوم الحكمة والأصول والفقه على يديه ويذكره ابن خلكان في وفياته بقوله وكان من علماء عصره يعني السهروردي قرأ الحكمة وأصول الفقه على الشيخ مجد الدين الجبلي بمدينة مراغة من أعمال أذربيجان أن برع فيهما ومجد الدين هذا هوشيخ فخر الدين الرازي وعليه تخرج وبصحبته انتفع وقد جرت بينه وبين فخر الدين مناظرات ومساجلات

وبعد ارتحاله إلى أصفهان أتم دراسته على يد ظهير الدين القادي حيث قرأ البصائر النصيرية في المنطق لعمر بن سهلان الساوي على يدالظهير الفارسي وفي أثناء تجواله في البلاد تعرف على فخر الدين المارديني ت 594 هـ ).

1- انظر : السهر وردي الحلبي ( مؤسس المذهب الإشراقي ) السهروردي المقتول ضمن كتاب شخصيات قلقة الإسلام : هنري كوربان ، ص 98 ، ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي ، طبعة عام 1974 م .

2- أصول الفلسفة الإشراقية عند إشهاب الدين السهروردي : الدكتور محمد علي أبو ريان ، ص 20 ، دار الطلبة العرب بيروت الطبعة الثانية عام 1900 م .

3- وفيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان : أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان ،ج 3 ص 258 ، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر بيروت ، طبعة عام 1900 م .

4- عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ابن أبي لأصبيعة موفق الدين أبو العباس أحمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ، ج2 ص 23 ، بدون تحقيق ، دار الثقافة بيروت ، طبعة عام 1981 م . شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي ، ج 4 ص 290 ، تحقيق عبد القادر و محمد الأرناؤوط ، دار ابن كثير مصر القاهرة ، الطبعة الأولى عام 1996 م .

5- المرجع السابق : نفس الصفحة و نفس الجزء ، ج4 ص 290 .

و صار تلميذأ مخلصأ له ، و كان المرديني ” علامة وقته في العلوم الحكمية ، جيد المعرفة بصناعة الطب ، و يصنع مذهب المشائين ” . إذن شيوخه هم كما يلي :

مجد الدين الجيلي

فخر الدين الرازي الأشعري

ظهير الدين القادي الفارسي

فخر الدين المارديني

و أما تلاميذه فلم تذكر المراجع إلا شمس الدين محمد الشهرزوري صاحب نزهة الأرواح وروضة الأفراح ، والذي شرح رسالة الغربة الغربية التي هي موضوع بحثنا هنا ،   ووضع مقدمة لكتاب حكمة وبعض الحواشي عليه 2

المطلب الخامس : مؤلفاته ووفاته

إن سعة إطلاعه وذكائه الفائق ولدت الرغبة فيه بالتوفيق بين الفلسفات والفلاسفة المختلفين فالفلاسفة عنده رجال أسرة واحدة وإن انتسبوا إلى شعوب مختلفة وكلهم ينضوون تحت لواء فلسفة واحدة هي الفلسفة الإشراقية التي أساسها الأول : ” إن الله نور الانوار ومصدر جميع الكائنات هي عماد العالم المادي والروحي” 3 . ولذلك نجد معظم مؤلفاته إن لم نقل كل مؤلفاته في الحكمة الإشراقية نذكرها كما يلي :

حكمة الإشراق أو الحكمة الإشراقية : ولها شروح كثيرة مثل شرح السهروردي وقطب الدين الشيرازي وتعليقات صدر الدين الشيرازي وشمس الدين الشيرازي .

الألواح العمادية .

التنقيحات : في أصول فقه الشافعية ، فهو شافعي المذهب .

التلويحات اللوحية والعرشية : شرحه الشهرزوري .

المطارحات : وذكرها بعضهم باسم المشارع والمطارحات

المقاومات : ذيل ولواحق للتلويحات والألواح .

هياكل النور

المعارج .

المرجع السابق : نفس الصفحة ونفس الجزء

المرجع السابق : نفس الصفحة ونفس الجزء

حكمة الإشراق ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق : أبو الفتوح شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ت 587 هـ ، ص 45 – 46 ، تحقيق هنري كوريان ، طبعة طهران عام 1373 هـ .

وينقل المناوي بعد أن ذكر هذه المؤلفات قول الذهبي في أنها ” ليست في علوم الإسلام ” 1

وأما اليافعي فيذكر بعض مؤلفاته هذه ويضيف إليها :

الرسالة الغربية : ويقصد بها الغربة الغربية التي هي موضوع بحثنا هنا .2

والدكتور عرفان عبد الحميد يضيف إليها كذلك :

أصوات أجنحة جبرائيل ، والغربة الغربية والتي كتبت على شاكلة قصة حي ابن يقظان 3 .

ويقول الصفدي : ” والحكمة الغربية في نمط رسالة حي بن يقظان ” 4

وأخيرا : رسائل وأدعية فيها تمجيد وتقديس لله تعالى ، وهذه الأدعية جعلها على شكل مناجيات وبارقات إلهية وابتهالات نورانية ، تحتوي على توحيد ومناجاة خالصة لله تعالى بعبارة نورانية شفافة وابتهالات راقية بديعة .

ونورد سبب مقتله هنا لبيان أحداث وفاته بشكل مفصل ، لنلقي الضوء على بعض خصائص عصره وما كان فيه من أفكار ونزاعات ، فقد قامت خصومة شديدة بينه وبين الفقهاء والمتكلمين بحلب ، وذلك لأسباب كثيرة منها ” مناظرته لهم في مسائل كثيرة لم يتمكنوا من مجاراته ، فظهر عليهم بحججه وبراهينه وأدلته ” 6 ، فرموه بالزندقة والإلحاد والمروق من الدين ، وبسبب تعصبهم الفكري وجمودهم في ظواهر النصوص وكذلك حسدهم له كادوا له ليقتلوه ويتخلصوا منه .

وهكذا كانت نهاية السهروردي : محاكمة ومناظرة وامتحانا لعقيدته ، اشتركت فيها السلطة والفقهاء ، وانتهت بإصدار فتوى بقتله ، وذلك في رجب سنة 587 هـ ، كما يوردها ياقوت الحموي في معجمه 7 .

وأما العماد الأصفهاني فإنه يورد القصة الكاملة لمقتله فيقول : ” سنة 588 هـ : وفيها قتل الفقيه شهاب الدبن السهروردي الإشراقي وتلميذه شمس الدين – يعني الشهرزوري – بقلعة حلب ، وكان فقهاء حلب قد تعصبوا عليه ما خلا الفقيهين ابني

الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى : زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ت 1021 هـ  ج 2 ص 310 -311 تحقيق محمد أديب الجادر ، دارصادر بيروت ، طبعة الثانية عام 2007 م

انظر : مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة مايعتبر من حوادث الزمان  : الإمام أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي ت 768 هـ ، ج 3 ص 434 – 437 ، دار الكتاب الإسلامي القاهرة ، بدون تحقيق الطبعة الثانية عام 1993 م

نشأت الفلسفة الصوفية وتطورها : الدكتور عرفان عبد الحميد الفتاح ، ص 233 – 237 ، دار الجيل بيروت ، الطبعة الأولى عام 1993 م

الوافي بالوفيات : صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي ، ج 1 ص 279 ، تحقيق الوليد بن مسلم ويعقوب بن يزيد وإبراهيم شبوح ، منشورات المعهد الألماني للأبحاث ، الطبعة الأولى عام 2004 م

المرجع السابق : نفس الصفحة ونفس الجزء ج1 ص 279 .

وفيات الأعيان و أنبا أبناء الزمان : أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان ، ج 3 ص 257 ، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر بيروت ، طبعة عام 1900 م . عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ابن أبي أصبيعة موفق الدين أبو العباس أحمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي ، ج 2 ص 23 ، بدون تحقيق ، دار الثقافة بيروت ، طبعة عام 1981 م . معجم الأدباء : شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي ، ج 9 ص 314 –  316  م

7- معجم الأدباء : شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي ، ج 9 ص 314 – 316 ، بدون تحقيق ، دار غحياء التراث العربي ، طبعة الأولى عام 2001 م .

جهيل ، فإنهما قالا : هذا رجل فقيه و مناظرته في القلعة ليست بحسن ، ينزل إلى الجامع و يجتمع الفقهاء كلهم و يعقد له مجلس في الخلاف ما ترجح لهم عليه بحججه ” ثم يقول : ” و أم علم الأصول ما عرفوا أن يتكلموا معه فيه ، و قالوا له : أنت قلت في تصانيفك أن الله قادر على أن يخلق نبينا ، و هذا مستحيل ، فقال لهم : ما حدا لقدرته ، اليس القادر إذا أراد شيئأ لا يمتنع عليه ؟ قالوا : بلى ، قال : فهل فالله قادر على كل شيء ، قالوا إلا خلق نبينا فإنه مستحيل ، قال : فهل يستحيل مطلقأ أم لا ؟ ، قالوا : كفرت ، و عملوا له أسبابأ لأنه بالجملة كان عنده نقص عقل لا علم ، ومن جملته أنه سمى نفسه : المؤيد بالملكوت “1 .

و في رواية الصفدي تذكر أن من أفتى ” بقتله الشيخان زين الدين و مجد الدين ابنا جهيل ” 2 ، و لكن رواية الأصفهاني أصح و أدق من رواية الصفدي ،لأنه أقرب إلى تاريخ وفاة السهروردي من الصفدي ، و لرأيه قيمة تاريخية كبرى لأنه كان معاصرأ لسهروردي .

” و لما كان يوم الجمعة بعد صلاة من زي الحجة سنة سبع و ثمانين   وخمسماية أخرجوه ميتا من الحبس ،فتفرق عنه أصحابه ، وقيل صلب أياما ، ولما تحقق القتل كان كثيرا ما ينشد :

أرى قدمي أراق دمي                       وهان دمي فها ندمي “3

وياقوت الحموي فإنة يقول أن الملك الظاهر ” أمر بخنقة في السجن فخنق “4 ، على حين اليافعي يقول : ” فلما وصل حلب أفتى علماؤها بإباحة قتلة … فاختار أن يموت جوعا لاعتياده الرياضات “5

من هذه الروايات يمكن أن نستخلص ما يلي :

أن فقهاء حلب تآمروا على قتلة ، وذلك بسبب غزارة وحدة ذكائه وقوة فهمه ، ثم بسبب استهتاره بهم وتهتكه .

يفصل السهروردي بين النقل و العقل ، بين الإمكان التاريخي والعقلي ” فليست هناك أستحالة مطلقة تعطل القدرة الإلهيه “6.

إن السهروردي لا يهاجم النص الديني الذي يذكر أن محمدا – خاتم الأنبياء و المرسلين ، ألا أنه حفظا للقدرة الإلهية من إلحاق النقص .

1_ أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب السهروردي : الدكتور محمد علي أبو ريان ، ص 25 _ 26 ، دار الطلبة العرب بيروت ، الطبعة الثانية عام 1969 م . نقلا عن الجامع لتواريخ الزمان لعماد الدين الأصفهاني . وقدأوردها المناوي في الطبقات الكبرى مع بعض الحذف منها ، انظر : الكواكب الدريةفي تراجم السادة الصوفية المعروف بالطبقات الكبرى :

زين الدين محمد الرؤوف المناوي ت 1021 ه ، ص 310- 311 ج2 ، تحقيق محمد أديب الجادر ، دار صادر بيروت ، الطبعة الثانية عام 2007 م .

2_ الوافي بالوفيات : صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي ، ص 279 ج1  ، تحقيق الوليد بن مسلم ويعقوب بن يزيد وإبراهيم شبوح ، منشورات المعةد الالماني للأبحاث ، الطبعة الأولى عام 2004 م .

3_ المرجع السابق : نفس الصفحة ونفس الجزء .

4_ معجم الأدباء : شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي ، ص 316 ج9 ، بدون تحقيق ، دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الأولى عام 2001 م .

5_ مرآة الجنان و عبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان :الإمام أبو محمد عبد اللة بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي ت 768 ه ، ص 437 ج3 ، دار الكتاب الإسلامي القاهرة ، بدون تحقيق ، الطبعة الثانية عام 1993 م .

6_ أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي : الدكتور محمد علي أبو ريان ، ص 26 ، دار الطلبة العرب بيروت ، الطبعة الثانية عام 1969 م

فيها يقرر : إمكان خلق نبي جديد ، فهو  ” لا يعترض على صحة النص الديني ، ومن ناحية أخرى يتفادى تعطيل القدرة الالهية “1 .

تسبب هذا الإستهتار برميه بالنقص في عقله ومن ثم مقتله يعد إتهامه بالزندقة و الكفر .

ويحسن بنا أن ننقل حائيته المشهورة ، ولاتي هي من أجمل قصائده ولما فيها من فائدة ، ونصها كما يلي :

” أبدا تحن اليكم الأرواح …          ووصاكم ريحانها والراح

وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم …           والي لذيذ لقايكم ترتاح

وراحتما للعاشقين تحملوا …         شتر المحبة و الهوى محبة

بالسر إن باحوا تبح دماؤهم …         وكذا دماء البايحين تباح

وإذا هم كتموا تحدث عنهم …        عند الوشاة المدمع السفاح

وبدت شواهد للسقام عليهم …       فيها لمشاكل أمرهم إيضاح

خفض الجناح لكم وليس عليكم …   للصب في خفض الجناح

فإلى لقاكم نفسه مرتاحة …          و إلى رضاكم طرفه طماح

عودوا بنور الوصل من غسق الجفا … فالهجر ليل و الوصل صباح

صافاهم فصفوا له فقلوبهم …          في نورها المشكاة و الصباح

و تمتعوا فالوقت طاب بقربهم   …     راق الشراب و رقت الأقداح

يا صاح ليس على المحب ملامة …   إن لاح في أفق الوصل صباح

لا ذنب للعشاق أن غلب الهوى …      كتمانهم فنمى الغرام و باحوا

سمحوا بأنفسهم و ما بخلوا بها …          لما دروا أن السماح رباح

و دعاهم داعي الحقايق الدعوة …     فغدوا بها متأنسين و راحوا

ركبوا على سفن الوفا فدموعهم …           بحر و شدة شوقهم ملاح

و الله ما طلبوا الوقف ببابه …               حتى دعوا و اتاهم المفتاح

لا يطربون لغير ذكر حبيبهم …          أبدا فكل زمانهم أفراح

حضروا و قد غابت شواهد ذاتهم …       فتهتكوالما رأوه و صاحوا

أفناهم عنهم و قد كشفت لهم …          حجب البقا فتلاشت الأرواح

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم …           إن التشبه بالكرم فلاح

قم يا نديم إلى المدام فهاتها …           في كأسها قد دارت الأقداح

من كرم إكرام بدن ديانة …           لا خمرة قد داسها الفلاح” 2

و قد ذكر أبو ريان كتبه في فصل مستقل في كتابه أصول الفلسفة الإشراقية ، معتمدأ في تثبيت هذه الكتب على الفهارس الحديثية التي أخرجها آلفاردت و بروكلمان وريتر في وكلود كاهن في البستان الجامع لعماد الدين الأصفهاني و ماسيون في

1_المرجع السابق :ص 26.

2_الوافي بالوفيات :صلاح الدين ابو الصفا خليل بن ابيك بن عبد الله الصفدي ،ج1 ص280 ،تحقيق الوليد بن مسلم و يعقوب بن يزيد و ابراهيم شبوح ،منشورات المعهد الالماني للابحاث ،الطبعة الاولى عام 2004 م .

مجموعة نصوص لم تنشر وموربان وختك وسبيز في ثلاث ريائل عن التصوف (1). وقد لخصتها هنا لما فيها من فائدة علمية كبيرة وهي كمايلي:

حكمة النور الاشراق .

هياكل النور :نسخة فارسية و اخرى عربية.

التلويحات .

اللمحات في الحقائق .

الالواح العمادية .

المشارع و المطارحات .

المناجاة .

مقامات الصوفية و معاني مصطلحاتهم .

التعرف للتصوف .

الاسماء الادريسية .

الاربعون اسما .

اصوات اجنحة جبرائيل .

برتونلمه: بالفارسية .

ترجمة رسائل الطير .

بستان القلوب :بالفارسية .

صفير سيمرغ : بالفارسية .

الغربة الغربية : على غرار قصة حي بن يقظان .

الكلمات الذوقية .

لغات موران :بالفارسية .

مؤنس العشاق .

بقايا تلخيص اشارات ابن سينا .

كشف الغطا لاخوان الصفا .

الواردات و التقديسات )تقديسات الشيخ الشهيد ).

تحفة الاحباب .

ويذكر الشهيرزوري مؤافات وحده وهي :

الرمز الموحي .

المبدأ والمعاد :بالفارسية .

البارقات الالهية و النغمات السماوية .

لوامع الانوار .

كتاب الصبر .

1_اصول الفلسفةالاشراقية عند شهاب الدين السهروردي:الدكتور محمد علي ابو ريان ،ص53,دار الطلبة العرب بيروت،الطبعة الثانية 1969م.

كتاب العشاق (1).

المبحث الثاني : الحالة السياسية و الفكرية في عصر السهروردي .

نشأ السهروردي وعاش في عصر كان الحكام فيه من اهل السنة ،بعد ان دالت الدولة الفاطمية الشيعية ،وكانوا يتخوفون من الحركات الباطنية ،ويشتطون في محاربتها .

ومن خوفهم من انتشار الاسماعيلية كمذهب ديني في الشرق الاسلامي اخذوا يضيقون الخناق على اصحاب الدعاوى الباطنية و متفلسفة الصوفية ، والسهروردي منهم وعلى رأسهم (2).

ونستطيع من خلال قصيدته الحائية التي اوردناها ان نتبين مدى الاضطهاد الذي كان يلقاه الفلاسفة و الصوفية في عصره ،فقوله :” بالسر ان باحو تباح دماؤهم “(3)، دليل واضح على ذلك ،واشارة جلية توضح مانقول ،فهو قد قتل على اساس اباحته بعقيدته الصوفية الباطنية ،والتي لايفهمها العامة ،ولا يدرك مغزاها وحقيقتها الخاصة من الفقهاء و اصحاب الحديث كذلك ،” ويقال ان السهروردي تنبأبالمصير الذي سيلقاه في قصيدته تلك “(4)فكان كذلك .وفي عصره – القرن السادس الهجري- لم تكن تحترم فيه  حرية الفكر ،وحوربت الفلسفة بشكل كبير ،وخاصة بعد هجوم الغزالي على الفلاسفة وتفكير لهم في كتابيه :تهافت الفلاسفة والمنقذ من الضلال (5).

فالاشعري حينما واجه المعتزلة وهو يحمل تعاليم اهل السنة ،كان مؤذناببدء ثورة فكرية جامحة على المذاهب الباطنية والتأويلية “وقد شن الفقهاء حربا.

1_المرجع السابق:ص52_59

2_انظر:مرآة الجنان وعبرة اليقظان في المعرفة مايعتبر من حوادث الزمان:الامام ابومحمد عبدالله بن اسعد بن علي بن سليمان اليافعي ت768ه ص422_437 ج3،دار الكتاب الاسلامي القاهرة ،بدون تحقيق،الطبعة الثانية عام 1993 م. وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان :ابو العباس شمس الدين احمد بن محمد بن ابي بكر بن خلكان ج3 ص245_259،تحقيق احسان عباس ،دار صادر بيروت،طبعة عام1900م،شهذرات الذهب في اخبار من ذهب:ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن احمد العكري الدمشقي،ج4 ص277_294،تحقيق عبد القادر ومحمد الارناؤوط،دار ابن كثير مصر القاهرة،الطبعة الاولى عام1996م

3_الوافي بالوفيات :صلاح الدين ابو الصفا خليل بن ابيك بن عبد الله الصفدي ،ج1 ص280 ،تحقيق الوليد بن مسلم و يعقوب بن يزيد و ابراهيم شبوح ،منشورات المعهد الالماني للابحاث ،الطبعة الاولى عام 2004 م .

4_ أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب السهروردي : الدكتور محمد علي أبو ريان ص31، دار الطلبة العرب بيروت ،ا

الطبعة الثانية عام1969م.

5_المنفذ من الضلال ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي : حجة الإسلام أبو حامد محمد الغزالي ت 505 هـ ،ص 584 ، تحقيق إبراهيم أمين محمد ، المكتبة التوفيقية القاهرة ، بدون طبعة ولا عام . تهاتف الفلاسفة:حجة الاسلام ابو حامد بن محمد محمد الغزالي ت505 ه،ص41_52،قدم له ضبط نصه احمد شمس الدين،دار الكتب العلمية بيروت،الطبعة الاولى عام2000م وانظر كذلك: انظر:مرآة الجنان وعبرة اليقظان في المعرفة مايعتبر من حوادث الزمان:الامام ابومحمد عبدالله بن اسعد بن علي بن سليمان اليافعي ت768ه ص422_437 ج3،دار الكتاب الاسلامي القاهرة ،بدون تحقيق،الطبعة الثانية عام 1993 م. وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان :ابو العباس وفيات الاعيان وأنباء الزمن: ابو العباس شمس الدين احمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان ج 3 ص245_259،تحقيق احسان عباس ،دار صادر بيروت ،طبعة عام1900 م. شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي ، ج 4 ص 290 ، تحقيق عبد القادر و محمد الأرناؤوط ، دار ابن كثير مصر القاهرة ، الطبعة الأولى عام 1996 م .

شعواء على احرار الفكر ،فأحرق منهم من احرق،وبددت كتبه وشرد تلاميذة “(1)وكان السهروردي من جملة هؤلاء.

وفي عصره”اخذت الفرنج خذلهم الله عسقلان، وبقيت في ايديهم الى ان فتحها صلاح الدين بن ايوب سنة 548 ه كما اوردها المقدسي (3).

وفي نفس السنة قامت مشاحنات و مشاجرات على السلطة و الملك”بين الرئيس ابن الصوفي وبين اخويه عز الدولة وزين الدولة، اقتضت المساعاة الى مجير الدين في جمادى الاولى”(4)،هذه المشاحنات كان لها اكبر الاثر في الحياة السياسية والفكرية على العلماء والفقهاء ،وفي هذا الجو المضطرب ولد السهروردي،جو مليء بالمشاحنات السياسية والعسكرية ، فيذكر المقدسي انه في سنة 549ه “ملك نور الدين_يعني زنكي _دمشق واخذها من صاحبها مجير الدين انق بن محمد، وكان الذي حمل نور الدين على الجد في ملكها ان الفرنج ملكوا في السنة الخالية عسقلان”(5).

على حين _بعد ثلاث سنين _ان” اسد الدين توجه الى دمشق لحفظ اعمالها من فساد الافرنج، وتواصلت الاراجيف بنور الدين ،فقلقلت النفوس ،وازعجت القلوب، فتفرقت جموع المسلمين ،واضطربت الاعمال ،وطمع الفرنج فقصدوا مدينة شيزر،وهجموها_هكذا وردت_وحصلو فيها فقتلوا واسروا ونهبوا،وتجمع من عدة جهات خلق كثير من رجال الاسماعيلية وغيرهم ،وظهروا عليهم فقتلوا منهم واخرجوا من شيزر،واتفق وصول نصرة الدين الى حلب فاغلق والي القلعة مجد الدين في وجهه الابواب وعصى عليه ،فثارت احداث حلب”(6)وذلك في سنة 552 ه يذكر المقدسي.

فهذا النص يوضح بجلاء الاضطرابات والتقلقلات التي كانت تحصل آنذاك ،هجوم واحتلال وقتل واسر لبلاد المسلمين من الفرنج، وخصومات ونزاعات داخلية على البلاد والقلاع والسلطة ورجال الاسماعيلية متربصون وخطرهم قائم وافعالهم حاضرة على الارض وافكارهم ينشطون في بثها والدعاية لها.ففي هذا الجو المحموم الذي يزخر بالتيارات الفكرية المتعارضة وباضطراب سياسي دائم متجدد بسبب الحروب الداخلية والخارجية ،واندحار المذهب الفاطمي الشيعي مما يستلزم محاربة النزعات الباطنية التي تذكر الناس بالمذهب الفاطمي، في هذا الجو عاش السهروردي متنقلا من بلد الى بلد، لايتكثر لشيء، وكل يوم يرتحل من سهرورد الى اصفهان الى بغداد الى حلب ،وهناك واجه مصيره وحتفه.

1_اصول الفلسفة الاشراقية عند شهاب الدين السهروردي :الدكتور محمد علي ابو ريان،ص31دار الطلبة العرب بيروت،الطبعة الثانية1969م.

2_الروضتين في اخبارالدولتين:شهاب الدين ابو محمد عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم المقدسي الشافعي بابي شامة المقدشي ت665  ه ،ج1ص89،بدون تحقيق،دار الجيل بيروت،بدون طبعة ولاعام.

3_المرجع السابق ج1 ص89.

4_ المرجع السابقج1 ص90.

5_ المرجع السابق،ج1 ص49.

6_ المرجع السابق،ج1 ص109.

وقد عاش السهروردي فترة من الزمان في بلاط الملك قرة ارسان ،اثرت عليه في تكوين فلسفته ،حيث كان في هذا البلاط تلتقي الثقافة البيزنطية وريثة الفكر اليوناني اللهيني مع الفكر الشرقي الاشراقي ،ويجتمع هذا الخليط مع التراث الاسلامي الى جانب التراث المسيحي(1).

ولذلك نجد الاثر الكبير في مؤلفاته ،فكتاباته تحتوي على بعض المصطلحات و الاسماء الفارسية ،بل ان بعضها باللغة الفارسية، حتى انه يذكر”انه قد تأثرت بفلسفة حكماء فارس على وجه الخصوص”(2).

اذن :ولد وعاش في عصر الحرية الدينية فيه محاربة ،و الهجوم العنيف على الفلسفة والصوفية والدعوات الباطينية، وتيارات فكرية متضادة متصارعة.

وعصر فيه الحروب الصليبية قائمة ،فبيت المقدس بيد الصليبيين ،و الامة متفرقة متنازعة متناحرة ،وسياسات متصارعة على النفوذ و السلطة .

ومع كل هذا ،كان السهروردي صاحب فلسفة اشراقية متميزة ،لم يمنعه التجوال في البلاد من عرضها و انتاجها في صورة بهية علمية ويضحة ،فلم يكن يهتم لكل هذه الصراعات و الحروب ،وكان سائحا في ملكوت الله.

1_نظر:مرآة الجنان وعبرة اليقظان في المعرفة مايعتبر من حوادث الزمان:الامام ابومحمد عبدالله بن اسعد بن علي بن سليمان اليافعي ت768ه ص422_437 ج3،دار الكتاب الاسلامي القاهرة ،بدون تحقيق،الطبعة الثانية عام 1993 م. وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان :ابو العباس شمس الدين احمد بن محمد بن ابي بكر بن خلكان ج3 ص245_259،تحقيق احسان عباس ،دار صادر بيروت،طبعة عام1900م،شهذرات الذهب في اخبار من ذهب:ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن احمد العكري الدمشقي،ج4 ص277_294،تحقيق عبد القادر ومحمد الارناؤوط،دار ابن كثير مصر القاهرة،الطبعة الاولى عام1996م

2_ أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب السهروردي : الدكتور محمد علي أبو ريان ص31، دار الطلبة العرب بيروت ،ا

الطبعة الثانية عام1969م.

الفصل الثالث

حي يقظان في فلسفة السهروردي .

و يشتمل على : مقدمة و سبعة مباحث :

المبحث الأول : الوجود و قدم العالم و حقيقة الوجود .

المبحث الثاني : مصادر المعرفة و قيمتها و صفاتها وتقييمها .

المبحث الثالث : المعارف الإلهية و المعارف الإنسانية .

المبحث الرابع : النفس و خلودها و حقيقتها .

المبحث الخامس : نظريات الفلسفة .

المطلب الأول : نظرية السعادة .

المطلب الثاني : نظرية النبوة .

المطلب الثالث : نظرية السبية و الغائية .

المطلب الرابع : نظرية الخاق و الإبداع .

المبحث السادس : حكمة الإشراق و الإدراك الحسي و العقلي و الذوقي .

المبحث السابع : شرح قصة الغربة الغربية التي وضعت على غرار حي بن يقظان .

مقدمة .

سنتكلم في هذا الفصل عن السهروردي المتصوف ، المرتقي في معارج الحب الإلاهي ، المقتول من أجله ، الذي كانت له شطحات ، و لروحه نفحات ، و لعقله إضاءات ، فكانت له كتابات منوعة في كل منها إيغال في عال لا يعرفه إلا السالكون ، و لا يدركه إلا المريدون ، و لا يرقى لفهمه و فهم إشارته و دلالاته العرفانية إلا المرتقون ، و يشرق له إلا المتأهلون .

في هذا الفصل – إن شاء الله – سوف نتعرف على فلسفة السهروردي إشراقية ، من خلال قصته الغربة الغربية التي نسجها على منوال قصة حي بن يقظان لابن سينا ، و سنستند عليها في كل ما سنقرره من حدوث العالم ، و عقيد أسبية الماهية ،و خلود النفس ، و نظرية السبية و الغائية ،و الإدراك

الحسي و العقلي والذوقي ، و ما إلى ذلك من موضاعات فلسفية طرحها السهروردي في قصته .

إن فسفة الإشراق ، هي : فلسفة الفيض ، و هي تستند على الكشف ، و الإشراق هو تجل لأنوار العقل في مبادئة الأولية ، و انبثاقه من الأرواح الصافية عند تحررها من الجسمانية ، أو ” هو ظهور الأنوار العقلية و فيضانها بالإشراقات على النفس عند تجردها ” . فالانوار العقلية عند السهروردي هي المعرفة الصوفية المباشرة للموجودات المتعالية ، و هذا يقودنا إلى التساؤل : هل فلسفة السهروردي الإشراقية نظام فلسفي متكامل أم أنها مجرد روحانية و عرفان ؟ و هل هناك تناقص في أفكاره الفلسفية و جمعه بين العقل و الكشف ؟ و سنحاول الإجابة على ذلك في هذا الفصل – إن شاء الله – من خلال المباحث التي طرحناها هنا .

إن فلسفة السهروردي تمثل اتحاد فلسفة المنطق و الحدس في نظام موحد الذي هو فلسفة الإشراق ، و سأبرهن هنا على فلسفة السهروردي هي نظام فلسفي فكري متكامل ، انبثق عن روحانية تأملية و عرفان إلهي لا يتطرفه الشك عنده ، و هو في كل بحثي ذوقي .

و نرى السهروردي يقرر أن المحكمة الإشراقية هي التي قررها و أخبر عنها جملة من الحكماء الأولين ، و هم في نظره من جملة الأصفياء و الأنبياء و الأولياء ، و أن هؤلاء الحكاء هم : أغاثاديمون و هرمس و أنبذوقليس و فيثاغورس و سقراط و أفلاطون و أمثالهم ، و أنهم و تشبهوا و تخلقوا بأخلاق الله بتجردهم عن المادة تجردا تاما ، و انتقشوا بالمعارف على ما هي عليه هيئة الوجود 2 .

إن سعة إطلاعة ولدت الرغبة فيه بالتوفيق بين الفلسفات و الفلاسفة المختلفين ؛ فالفلاسفة عنده ” رجال أسرة واحدة “3 هي الفلسفة الإشراقية .

1-نشأة الفلسفة الصوفية و تطورها : الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح ، ص 242 – 243 م .

2- حكمة الإشراق : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ( ت 587 هـ ) ، ص 10 – 11 ، تحقيق هنري كوربان ، طبعة طهران عام 1373 هـ .

3- في الفلسفة الإسلامية منهج و تطبيقه : الدكتور إبراهيم مدكور ، ج 1 ص 54 ، ممتبة الدراسات الفلسفية ، الطبغة الثانية بدون عام .

و أساس الفسفة الإشراقية عنده : أن الله نور الأنوار ، و مصدر جميع الكائنات ، و منه خرجت أنوار أخرى هي عماد العالم المادي و الرو حي ، ” فالفلسفة الإشراقية تعتمد إذن على نظرية العقول العشرة الفارابية ، مختلفة بعناصر مزدكية و مانوية ” 1 ،  و هي متأثرة في بدئها و نهايتها بتعاليم الفارابي ، لأنها مؤسسة على نظرية الفياض الفارابي ، و نزاعة إلى العالم العليوي ، ” غير أن الإشراقي لا يقنع بالإتصال بالعقل الفعال وحده ، بل يطمع في الإتحاد بالله مباشرة و الإمتزاج بنور الأنوار”  2 .

و السهروردي حين يدعى للاختيار بين تصوف الحلاج و تصوف الفارابي ، ” رأى الجميع بينهما ، وأن يقول بالاتصال والاتحاد معا ، وهذه نزعة توفيق أخرى تتفق مع روحه العامة ” 3

كما أن الفارابي مجدد فلسفة المشائين واستحق لهذا اللقب المعلم الثاني فإن السهروردي أحيا وجدد فلسفة الإشراقيين في كتبه وأبحاثه ، ” وهو قد جعل أفلاطون إمام الحكمة الذوقية ورئيس الإشراقيين ، وكان يدعوه بصاحب الإيدي والنور ، وجعله استمرار لزرادشت ” 4

ونجد أن فكر السهروردي يكتسب أهمية بالغة في الوقت الحاضر ، ” فكتبه تصلح لأن تكون جسرا يصل ما بين الفلسفات الشرقية ،التي تعتمد أكثر من غيرها على الحدس والتحليق في سماء العاطفة من ناحية ، والفلسفات الغربية الحادة في طبعها العقلي ونظرياتها من ناحية أخرى ، ولكن السهروردي احتضن الاتجاه الأول ، الذي يتلاءم مع تكوينه الشخصي والروحي ” 5 .

والحكمة الإشراقية هي : ” محاولة للتصوف الروحي عن طريق العقل ، وهي محاولة فلسفية توفيقية لفلاسفة المسلمين بين الاتجاه الفلسفي الأفلاطوني و الأرسطي و بين الاتجاه الروحي عند متصوفة المسلمين ” 6 ، وهي قد أخذها السهروردي عن ابن سينا ، وكلمة ” حكمة : تدل على الذوق ، وهي بهذا تشمل إلى جانب المعرفة والعلم فكرة الذوق الذي يرددها السهروردي نفسه في شرحه لمدلول الحكمة ” 7 .

وتظهر أصالة فكر السهروردي في ” جمعه الموفق بين الفلسفة والتصوف ، أو بتعبير أدق بين البحث النظري والاختبار الروحي ” 8 ، فالإشراق مصدر الحكمة

1-نشأة الفلسفة الصوفية : عرفان عبد الحميد ، ص 242 – 244 .

2- المرجع السابق : ص 22 .

3- التلويحات العرشية : ضمن مجموعة في الحكمة الإشراقية

المشرقية ،”ولافرق بين اشراقي ومشرقي، وهي جماع الحكمة بنوعيها البحثية والذوقية”1.

ووسيلة عملية الاشراق للوصول الى كنه الاشياء وحقائق الوجود هي “من الشريعة ورسومها ولا عند احكام العقل وحججه ،بل يجاوزون ذلك كله الى المعرفة الحقة الشريفة الباطنية ” انهم قوم ماوقفوا عند العلم الرسمي ،بل جاوزوا الى العلم الحضوري الاتصالي الشهودي”3.

اذن : فمذهبه”مركب من عناصر متباينة معقدة،واساسه الجمع بين آراء وانظار مستمدة من دوائر فكرية  مختلفة متباينة : كالغصونية والافلاطونية المحدثة وديانات الفرس القديمة ومذاهب الصابئة في الكواكب و النجوم”4.

المبحث الاول :الوجود وقدم العالم وحقيقة الوجود.

يثبت السهروردي ان هناك وجود ا حقيقيا لهذا الوجود على خلاف بعض المتصوفة ، الذين لايثبتون وجودا حقيقيا الا الله تعالى ،فهذا الوجود عرفناه من المعرفة التي تستلزم مصدرا مباشرا ما ، ونجده في قصته الغربة الغريبة يقول :”فوقعنا بغتة في القرية الظالم اهلها ،اعني مدينة قيروان “5 فهو يشير الى ان الانسان موجود متلبس بهذه الدنيا  المحسوسة التي هي “القرية الظالم اهلها”.

وقد اثبت ذلك في نص آخر بشكل واضح وجلي ، حيث يقول :” فلما احس قومها اننا قدمنا عليهم فجأة “6، والقوم هم القوى الجسمانية المحسوسة ، ولا مجال للشك بعدمها .

ثم ان عملية الاشراق والوصول الى كنه الاشياء ، وحقائق الوجود ،” وسيلتها الرياضة العقلية ، التي غايتها : منع الشواغل عن الحواس ، قصد تحصيل المعارف العقلية “7.

هذا الوجود الذي سبق الماهية هو ” مفاهيم ميتافيزيقية ، ومجرد اعتبارات عقلية ، فالموجودات الفردية المادية فقط  هي الموجودات الحقيقية “8.

نشأة الفلسفة الصوفية : عرفان عبد الحميد، ص242-244.

المرجع السابق : ص22.

التلويحات العرشية ضمن مجموعة في الحكمة المشرقية : شهاب الدين السهروردي ، ص74 ، نشر وتحقيق هنري كوربان، مطبعة المعارف استنبول ، طبعة عام 1945 م.

نشأة الفلسفة الصوفية : عرفان عبد الحميد ، ص238.

قصة الغربة الغريبة : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الاسراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي (ت587 ه )، ص277 ، تحقيق هنري كوربان ، طبعة طهران عام 1373 ه .

المرجع السابق: ص 277 .

نشأة الفلسفة الصوفية : عرفان عبد الحميد ، ص22.

المرجع السابق : ص22 .

هذه العقيدة ” عقيدة أسبقية الماهية ” هي إثبات لوجود العالم ، وأن العلم ليس بقديم ، حيث إن أقدم المادة يلزم منه أنها هي مصدر جميع الكائنات  و منها خرجت أنوار أخرى ، هي عماد العلم  المادي و الروحي ، و هذا ما لا يقوله السهروردي ، بل يقول على العكس من ذلك تمامأ ، فهذا العالم صدر عن نور الأنوار و منه فاض الخلق كلهم ، وهو واجب الوجود ، و يرمز إلى هذا في قصته الغربة الغربية بقوله : ” و كان فوق البئر المعطلة التي عمرت بحضورنا قصر مشيد ، و عليها أبراج عدة ” 1 ، هذه ” البئر ” التي هي عالم المحسوسات ، ” و القصر ” هو النفوس الملكية التي خلقت قبل الأجساد ، و يقصد ” بالأبراج ” هي الأفلاك ، ثم يقول في ذلك : ” فتقدم الهدهد و صارت السمش فوق رؤوسنا ، إذا وصلنا طرف الظل ” 2 ، حيث هناك عند ” طرف الظل ” تنحني الهيولى ، و تنفصل الصورة ، و تبقى الحقيقة الأولى ، فلا شمس هناك ولا ظل ، لا مادة و لا صورة ، حقيقة واحدة فقط و هي نور الأنوار و خالق الكون و بمدع الكل .

و كل هذه الذوات – ذوات الكون و العالم – جائزة ، سبقها العدم  ، فقط هناك وجوب ” النسبة المزدوجة ” و ذلك بأن هذه الموجودات الجزئية تصدر عن الله ضرورة في صورة فيض و انبثاق ، و ذلك بتوسط سلسلة من البادئ العقلية المفارقة ؛ فاإشراقي ” لا يقنع بالإتصال بالعقل الفعال وحده ، بل يطمع في الإتحاد بالله مباشرة ، و الإمتزاج بنور الأنوار ” 3 .

إذن : علاقة العالم بالله هي علاقة خالق بمخلوق ، و نور فاض من نور الأنور على هذا العالم الذي يصلحه هذا النور ، و هذه الفسفة الإشراقية تعتمد ” على نظرية العقول العشرة الفارابية مختلطة بعناصر مزدكية و مانوية ” 4 .

و هو في إثباته للوجود و لحدوث العالم يسلك طريق الذوق و الإشراق على مذهبه الإشراقي التي هي الحكمة المشرقية التي هي الحكمة المشرقية الذوقية ، و فيها ” تظهر له الأنوار العقلية ، و تفيض بإشراق النفس عند تجردها ” 5 ، و هو مع ذلك متأثر في البداية و النهاية بتعاليم الفارابي و نزاعة إلى العالم ” 6 ، و يترك طريقة المشائين في البرهان و القياس ، إذن أن الوجود ” مشروح في رقعة أبيكما ” 7 ، الذي هو الوحي و الإلهام الإلهي ، و هو في عرضه للكلام إنما يريد وجه الخلاص  ، و على حد تعبيره : ” جئتكما من سبأ بنبأ يقين ” 8 ، فهو إبتداء يثبت وجود واجب الوجود ، و أنه لا يحتاج إلى إستدلال لظهوره ، و أنه قديم مخالف للحوادث ، و إلى هذا يشير فيقول : ” و أشار في الرقعة إلى أنك يا فلان إن أردت أن تتخلص مع أخيك ، فلا تنيا في عزم السفر ، و اعتصما بحبلنا ” 9 ، الذي هو علم الله

1- المرجع السابق : ص 278

2- المرجع السابق : ص 278

3- في الفلسفة الإسلامية منهج و تطبيقه : الدكتور إبراهيم مدكور ، ج 1 ص 53 .

4- المرجع السابق :ج 1 ص 54

5- المرجع السابق :ج 1 ص 143

6- المرجع السابق :ج 1 ص 55

7- قصة الغربة الغربية : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ، ص 281

8- المرجع السابق :ص 281

9- المرجع السابق :ص 281

الازلي ،وقدرته المطلقة وارادته النافذة،وهو “المستولي على نواحي الكسوف”1،المتحكم والمدبر والمتصرف في هذا الكون وبالعلم كله.

ويمكن القول بالغقائد المميزة للسهروردي بأنها كمايلي :

اولا :عقيدة المعرفة بالوجود : حيث يقيول بان كل معرفة  تستلزم مصدرا مباشرا ما،فهو يرفض الاليات الوسيطة كطرف لشرح المصادر المتنوعة للمعرفة ،وهو يرفض التعريف الارسطي الاساسي باثباته : ان جوهر الاشياء ممكن ان يدرك من خلال المعرفة المباشر2.

ثانيا : عقيدة اسبقية الماهية : حيث يتكلم عن وجود التتصنيف الذهني  الصحيح الذي لا يتضمن الوجود الحقيق المطابق له في الاشياء المادية  ، فالمفاهيم الميتافيزيقية ،مجرد اعتبارات عقلية ،والموجودات الفردية المادية فقط هي الموجودات الحقيقية 3.

ثم ان الواحد البسيط _كما يقال السهروردي_ يلزم عنه واحد ،والموجودات الجزئية تصدر عن الله ضرورة في صورة فيض وانبثاق ،وذلك بتوسط سلسلة من المبادئ العقلية المفارقة ،حيث يعنى بها السهروردي “العقول المفارقة “،فالمعرفة عنده نوعان : واجبة ،حيث يرمز لها بالنسبة المزدوجة ،وجائزة حيث يرمز لها بالذوات 4.

ومع ان العالم العلوي مبدع من قبل مبدع الكل، ولكنه للفناء والهلاك كالعناصر ،وهو ضمن عالم الكون و الفساد ،فيقول السهروردي:”ورأيت الاسد والثور قدغابا،والقوس والسرطان في طي تدارك الافلام ، وبقي الميزان مستويا ،اذ طلع النجم اليماني من وراء غيوم رقيقة متألقة مما نسجته عناكب زوايا العالم العنصري في عالم الكون والفساد “5

فهو يصفه بالعنصري والعناصر مركبة او مجزأة فهي قابلة للفناء ،ومن يقبل الفناء فهو حادث وممكن ،فالعالم عند السهروردي حادث وليس قديم .

المبحث الثاني : مصادر المعرفة وقيمتها وصفاتها وتقييمها .

مصدر المعرفة عند السهروردي هو الحس والعقل معا ،مع وجود سياج يحيط بهما احاطة السوار بالمعصم وهو الذوق او الاشراق او الالهام او الكشف ولا مشاحة  في الاصطلاح .

وهذا الاشراق مهم جدا في تحصيل المعرفة، و كل معرفة فهي تابعة له ،وكل الحكماء عند السهروردي من اغاثاديمون وهرمس وانباذوقليس وفيثاغورس وسقراط وافلاطون و امثالهم “تشبهو بالمبادئ ،وتخلقوا باخلاق الله ،بتجردهم عن المادة تجردا تاما،وانتقشوا بالمعارف على ما هي عليه هيئة الوجود”6،فهو يثبت تحصيل المعرفة لايمكن ان تكون الابعد التجرد

1_المرجع السابق :ص281.

2_- حكمة الإشراق : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ، ص208.

3_ المرجع السابق :ص210.

4_ المرجع السابق :ص221.

5_ قصة الغربة الغربية : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ، ص 290.

6 – حكمة الإشراق : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ، ص40.

عن الحس والمادة تجردا تاما ،والعقل غير قادر على الاحاطة بها ولذلك لابد من مصدر فوق هذين المصدرين اللذين لابد منهما لتحصيل المعرفة .

وهو في قصة الغربة الغريبة يثبت ذلك بجلاء ،حيث يقول :”لنصيد طائفة من طيور ساحل اللجنة الخضراء “1،وهي يعني “لنصيد “اي ليحصل الكمالات الممكنة للنفس ،ويتعرف على العلوم الجزئية من العالم النحسوس “الحس “ومن العقل المستفاد ” الممعقول “،مع حصول حالة اشراق تنزع فيها النفس الى الكمالات الممكنة من خلال العلوم الجزئية .

وهذا يقودنا الى القول بان المعرفة عند السهروردي نوعان هما:

المعرفة الحسية والعقلية معا .

والمعرفة الذوقية الاشراقية التي هي نتيجة حتمية  للرياضة  العقلية والتأمل.والمعرفة الاولى هي وسيلة  وطريق الى الثانية ،والتي _المعرفة الذوقية_تودي بالنفس الى الكمال واشراقها على نور الانوار،وهو المطلوب من المعرفة والمقصود منها.

ويستطرد في اثنات مصدر المعرفة في اكثر من قوله له في قصة الغربة الغريبة ،حيث يقول :”واحيانا يزورنا برق يماني تومض من الجانب الشرقي “2،هذا “البرق اليماني” هو حقيقة الايمان والاعتقاد، وهو ملئ بالمعرفة والعرفان،وهي وحي من الله والهام منه سبحانه،وهو اشراق نوراني فيه علوم الهية فياضة،وبه تتعرف النفس على الصفات الكانلة النورانية .

ثم يقول :”تومض من الجانب الايمن الشرقي وتخبرنا بطوارق نجد،ويزيدنا رياح الآراك وجدا على وجد”3، هذا”الومض “هو الهام واشراق من نور الانوار،وفيه المعرفة والنور والخير والصلاح والنجاة،فالمعرفة التي لاتقود الى الخلاص ،والنجاة للنفس ليست معرفة حقة عند السهروردي ،وانما هي خيالات فاسدة وتوهمات باطلة،ويرمز اليها في قصته” بقوم يأجوج ومأجوج “،حيث يقول :”والفلك المشحون قد مر بنا على جزيرة يأجوج ومأجوج الى الجانب الايسر من الجودي ،وكان معي  من الجن من يعمل بين يدي”4،فيأجوج ومأجوج هي التخيلات الفاسدة ،والجانب الايسر هو العالم العقلاني، والجودي هو جبل الحكمة والفهم  والعقل الذي منه جميع المعقولات، وهذا الفلك الذي يركبه الانسان هو سفينة نجاته فاذا لم تؤد به معرفته الى النجاة فليس هناك معرفة ولا فهم ،حيث ان الانسان معه”الجن” الذي هو قوة الخيال والفكر الذي يعصمه ان يقع في التخيلات الفاسدة .

فالسهروردي اذن يتحدث في هذا النص عن كون مليء بالتخيلات الفاسدة والختلافات الكثيرة والتضادات التي تسيطر على العقل فتوقعه في الخيال والضلال ولايتعرف على الحقيقة،وليس ثم هناك معرفة ،ولكن ان انحاز العقل الى الجانب الايسر من العالم العقلاني_وهي اشارة منه الى الددماغ ان جانبه الايسر فيه الفكر والفهم _مرتكزا على جبل الحكمة،متحكما بالقوة الفطرية ،مرشدا لها الى الحق،

1_ قصة الغربة الغربية : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ، ص 276.

2_المرجع السابق:ص279.

3__المرجع السابق:ص279.

4__المرجع السابق:ص285.

متصرفأ بقوة الخيال و الفكر ، موجهأ لها إلى النور ؛ استطاع  حينها أن ينعتق و ينفصل عن الآراء المتضادة و التخيلات الفاسدة ، و كان بينه و بينها سدأ منيعأ من الحكمة و الحق و النور و الجلال ، و كما يقول : ” فقلت للجن أنفخوا فيه حتى صار مثل النار ، فجعلت سدأ منيعأ حتى انفصلت عنهم ” 1 .

هذه هي صفات المعرفة عنده :أنها معرفة تنزع إلى الحق ، تريد الحقيقة لتصل لمقصودها  وغايتها ، و هي تحصيل الكامالات النفسية من العلوم الجزئية لتنجوا من ظلمة العالم الظلماني ، وتسافر إلى العالم العليوي” فنتحنن و نشتاق إلى الوطن “2 ، و هي معرفة كشفية ذوقية تستند إلى الحس و العقل معأ و لا تنكرهما ، و تتحقق من قيمة المعرفة .

فقيمة هذه المعرفة كبيرة جدأ و علية إن كانت مستندة على الذوق و الإشراق ، معصومة بالقوة الفكرية و العقلية ، صادرة عن النفس الكاملة ، المتحصلة عليها بالتأمل العقلي و الرياضة ، و هي لا تنكر الشرع و الوحي بل تستند عليه و تجعله مصدرها النهائي في المعرفة و تقبله و تتعرف به .

و المعرفة عند السهروردي لا قيمة لها إن كانت الخيالات الفاسدة متحكمة بها ، محيطة بها الشهوات و المادة ، حيث أن هذه المعرفة مصلحة للشؤون الحياتية الدنيوية فقط ، و ليس فيها النجاة في  الأخرى ، و نجد ذلك في قوله : ” فلما سمعت و حققت عانقتهم ففرحت بهم و فرحوا بي ، و صعدت الجبل ” 3 ، فهذا التحقيق يتحصل من المعرفة الذوقية و الكشف و الإشراق ، و النفوس الجزئية حينما تقابل النفس الكلية و تتحقق منها تستغرق فيها ، و تفنى في نورها الساطع فنائأ كليأ ، ليس فيه شبهة و لا ضلال و لا شك ، و غيرها من المعارف كلها شبه و ضلال و شك ،ـ على العكس مثل هذه المعرفة اليقينية .

و الحكمة عند السهروردي ذوقية إشراقية ، و قد جعل إفلاطون إمام الحكمة الذوقية و رئيس الإشراقيين ، و كان يدعوه ” بصاحب الأيد و النور ، و هو استمرار لزرادشت ” 4، و كل الفلاسفة عنده هم إشراقيون ، حصلوا المعرفة عن هذا الطريق، و هو مصدرهم في الفلسفة ، فيقول فيهم : ” إنهم قوم ما وقفوا عند العلم الرسمي ، بل جاوزوا إلى العلم الحضوري الاتصالي الشهودي ” 5 ،فهذه أخص خصائص المعرفة عند السهروردي : أن أتباعها لا يقفون عند المعرفة المستمدة من الشريعة و رسومها ، و لا عند أحكام العقل و حججه ، بل يجاوزون ذلك كله إلى المعرفة الحقة الشريفة الباطنية .

و هذه المعرفة هي جماع الحكمة بنوعيتها : البحثية الذوقية ، و هي ” محاولة للتصوف الروحي عن طريق العقل ، و هي محاولة فلسفية توفيقية لفلاسفة المسلمين بين اللاتجاه الفلسفي الإقلاطوني و الألاسطي و بين الإتجاه الروحي عند متصوفة المسلمين ” 6 .

المرجع السابق : ص285

المرجع السابق : ص 279

المرجع السابق : ص 293

نشأة الفلسفة الصوفية : عرفان عبد الحميد ، ص 239

التلويحات العرشية ضمن مجموعة من الحكمة المشرقية : شهاب الدين السهروردي ص74

نظرية المعرفة بين القرآن و الفلسفة : الدكتور راجح عبد الحميد الكردي ، ص 678 .

فالمعرفة عند السهروردي هي ا”لإشراق ، و الإشراق هو تجل الأنوار العقل في مبادئه الأولية ” و انبثبقها من الأرواح الصافية عند تحررها من الجسمانية ” 1 .

وهذه الانوار العقلية “هي المعرفة المباشرة للموجودات المتعالية ،وهي اتحاد بين فلسفة المنطق والحدس في نظام موحد”2.

المبحث الثالث:المعارف الالهية والمعارف الانسانية .

المعارف الالهية عند السهروردي هي اساس المعارف الانسانية ،وهي تمتاز بأنها تبعا لوجود ،وهي اساس النور حيث ان هذا النور هو نبع تلك المعارف والسعادة منوطة بالعلوم الحقيقية دون غيرها ،والعلوم الحقيقية “تنقسم الى قسمين :ذوقية كشفية،وبحثية نظرية “3،والمعرفة الذوقية الكشفية مصدرها “معاينة المعاني والمجردات مكافحة ،لابفكر ونظم دليل قياسي ،او منصب تعريف حدي او رسمي ،بل بانوار اشراقية متتالية متفاوتة ،بسلب النفس عن البدن ،وتتبين معلقة ،تشاهد تجردها وتشاهد مافوقها مع العناية الالهية”4.

فالسهروردي يثبت هذه المعرفة الاشراقية وهي من العلوم الحقيقية ،ولكنه لايترك الامر على غاربه ،بل يجعل لذلك ضابطا وقيدا وهو “العناية الالهية ” التي بدونها يضل الفكر ويزيغ العقل ،وتختلط الاشراقات النورانية بالتخيلات الفاسدة المهلكة .

ثم ان هذه المعرفة الاشراقية لاتتم الابعد البحث والنظر ثم الرياضة العقلية والتأمل ،فطريقها الاول هو “المعرفة البحثية النظرية ،وقل من يصل اليها من الحكماء ،ولا يحصل الاللافراد من الحكماء المتألهين الفاضلين “5،فالفلاسفة امثال اغاثاديمون وهرمس وانبادوقليس وفيثاغورس وسقراط وافلاطون وغيرهم “لم يكونوا خالين عن البحث ، بل لهم بحوث وتحريرات واشارات منها “6، وهم  اصحاب حكمة ذوقية اشراقية .

هذا من ناحية  ،ومن ناحية اخرى  فالمعارف الالهية عند السهروردي هي نفسها العلوم الالهية : وهي كل ما يتعلق بالاله من صفات وافعال وذات ،وهي تقوم على اساس فكرة”نور الانوار “و”المثل النورية”.

ونور الانوار معناه كما يقول السهروردي :” ان كان في الوجود ما ما لا يحتاج الى تعريه وشرحه فهو الظاهر ، ولا شيء اظهر من النور ،فلا شيء اغنى منه عن التعريف”7.

1_ نشأة الفلسفة الصوفية : عرفان عبد الحميد ، ص 244.

2_المرجع السابق:ص244.

3__- حكمة الإشراق : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ، ص5.

4_ المرجع السابق:ص5.

5_ المرجع السابق:ص5.

6_ المرجع السابق:ص5.

7_حكمة الإشراق : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ،ص106.

والنور كما  يعرفه السهروردي :”هو الظهور وزيادته ،والظهور :اما ذوات جوهرية قائمة بالغير “1،وعلى هذا فيكون الوجود كله نور بهذا الاعتبار ،والمعارف هي تبعا لهذا النور ،وهي متعلقة بالوجود من حيث كونه موجودا.

وهذه النوار القائمة والمعارضة والبرازخ”يجب ان تنتهي الى نور ليس وراءه نور ،وهو نور الانوار ،والنور المحيط ،والنور القيوم ،والنور المقدس ،والنور الاعظم الاعلى ،وهو النور القهار ،وهو الغني المطلق ،اذ ليس وراءه شيء آخر “2 وهو بهذه الصفات يريد السهروردي ان يصفه بالكمال والجلال سبحانه .

ثم يناقش السهروردي مسألة وجود نورين مجردين غنيين ، وينفي وجود مثل ذلك ،وينتهي الى القول بوجود نور واحد هو “نور الانوار” فقط3.

ويتكلم عن هذه الفكرة _فكرة نور النوار_ويدعمها بالادلة العقلية والذوقية فيقول :”الشيء لايقتضي عدم نفسه والا ما تحقق ، ونور الانوار وحداني لاشرط له في ذاته وما سواه تابع له ،واذ لا شرط له ولا مضاد له فلا مبطل له ،فهو قيوم دايم،ولا يحلق  نور الانوار هيئة ما نورية كانت او ظلمانية ،ولا يمكن له صفة بوجه من الوجوه “4، وقد اوردنا هذا النص المهم في هذه المسألة لنتبين مدى دقة وصف السهروردي لفكرة نور الانوار، ومدى تعمقه فيها.

واما المثل النورية ،فبعد ان يقسم السهروردي النور على نور وضوء في حقيقة نفسه ، والى ما ليس بنور وضوء في حقيقة نفسه ،ثم يقسم النور الى :”ما هو هيئة لغيره وهو النور العارض ، والى نور ليس هو هيئة لغيره وهو النور المجرد والنور المحض “5، ويقسم ماليس بنور الى :”ماهو مستغن عن المحل وهو الجوهر الغاسق ،والى ماهو هيئة لغيره وهي الهيئة الظمانية، والبرزخ هو الجسم”6، وهذا البرزخ “اذا زال عنه النور بقي مظلما”7.

ويعرف السهروردي الظلمة بأنها “عدم النور فحسب”8، والذي لا يشترط فيه الامكان، ويعلل ذلك بأنه ” لو فرض العالم خلاء لا نور فيه،كان مظلما ولازمه نقص الظلمة مع عدم امكان النور فيه، فثبت ان كل غير نور و نوراني مظلم “9،وبذلك تكون هذه البرازخ “جواهر غاسقة “10.

1_ المرجع السابق:ص106، في الحاشية.

2_ المرجع السابق:ص121.

3_ المرجع السابق:ص122.

4_ المرجع السابق:ص122_123.

5_ المرجع السابق:ص107.

6_ المرجع السابق:ص107.

7_ المرجع السابق:ص107.

8_ المرجع السابق:ص107.

9_ المرجع السابق:ص108.

10_ المرجع السابق ص108.

بعد هذا التقسيم كله يفرد السهروردي فصلا في “افتقار الجسم في وجوده الى النور المجرد “1، وهذا النور المجرد هو نور لنفسه، وكل نور لنفسه هو نور محض مجرد، ولذلك يقول السهروردي :”ان من يدرك ذاته فهو نور  مجرد”2.

هذه هي نظرية المثل النورية عند السهروردي باختصار شديد ، فمن هذا النور تكون المعرفة واليه العلم الحقيقي ،و المعارف الالهية والانسانية تنبثق من هذا النور الذي هو ينبثق من نور النوار .

وقد وجدت هذا في قصة الغربة الغريبة، ولكنه مرمز في عبارات واشارات ، يمكن ان اتلمسها فيما يلي من النصوص :

يتكلم السهروردي عن “طائفة من طيور ساحل اللجنة الخضراء”3، فهذه النفس قد سافرت من العالم العلوي الى العالم الهيولاني، لتحقق كمالاتها الممكنة، هذه الكمالات هي في الحقيقة معارف انسانية تتشوق لها النفس وتنزع اليها ، وهي كذلك معارف الهية تتشوق وعلى حد تعبير السهروردي”تتحنن وتشتاق” الى واجب الوجود، الذي ابدعها والذي انزلها من موطنها ذاك لتحقيق غاية شريفة وخدف حكيم، حيث ان هذه المعرفة تؤدي الى حالةاشراق وتشوف لنور الانوار.

ثم يتكلم عن مصدر تلك المعرفة وهو الحس والعقل معا، فهذه الحياة التي يعيشها الانسان ممزوجة بالحس والعقل معا، وهذا الامتزاج يؤدي بها الى المعرفة ويعطيها العلم ،حيث يقول في هذا :”فوقعنا بغتة في القرية الظالم اهلها”4،وهنا في هذا النص يتكلم عن اختلاط المحسوس باللامحسوس الذي فيه تتكون المعرفة ويحصل العلم.

وهو يشير بقوله :”اولاد الشيخ المشهور بالهادي ابن الخير اليماني”5 الى العقل الكلي الذي هو واسطة الهداية والخير، فالانسان _كما يقول السهروردي _  جاء من العقل الفعال او العقل الاول الا كل الخير والنور ومنه كل شيء.

هذه المعرفة تؤدي به الى استكمال متطلبات النفس الروحانية،والانعتاق من الشةات والشبهات والعالم الظلماني ،فيقول في ذلك:”وحبسونا في قعر بئر لا نهاية لمسكها “6،ويقول :”وكان في قعر البئر ظلمات بعضها فوق بعض،اذا اخرجنا ايدينا لم نكد نراها”7، هذه الظلمات هي كثافات الهيولى التي تمنع النفس من الاشراق والمعرفة، ولكنها بالبحث والنظر والتجربة ثم التأمل العقلي والرياضة تتحصل النفس على نوع من الاشراق، وتخالط النفوس الفلكية عالية الرتبة ، فتتجلى لها الحقيقة الكبرى، وتظهر لها المعارف والعلوم الحقيقية.

1_ المرجع السابق:ص109.

2__ المرجع السابق:ص110.

3__ قصة الغربة الغربية : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ، ص 276.

4__ المرجع السابق:ص277.

5__ المرجع السابق:ص277.

6__ المرجع السابق:ص277.

7__ المرجع السابق:ص279.

ومقصد هذه المعرفة  _كما يقول السهروردي_ هي التعرف على الصفات الكاملة النوارانية  لنور الانوار من خلال الحنين والاشتياق الى الموطن الاصلي للنفس الذي هو العالم العلوي 1.

ويرمز “بوادي النمل ” الى  اول طريق الخلاص الذي هو طريق المعرفة الالهية، فيقول :” فاذا اتيت وادي النمل فانفض ذيلك، وقل:الحمد لله الذي احياني بعدما اماتني واليه النشور ، واهلك اهلك، واقتل امرأتك، انها كانت من الغابرين، وامض حيث تؤمر ،فان دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ،واركب في السفينة ،وقل بسم الله مجراها ومرساها”2.

فهو يحدد في هذا النص اسباب المعرفة وطريق النجاة: فاول طريق الخلاص هو ترك الحرص على الدنيا والتجرد من العلائق الدنيوية التي تمنع سفر النفس الى العالم العلوي ، ثم الاستعانة بالله وحده حتى ينكشف البصر وترى الحقيقة الكبرى، ولا يتم ذلك الا بقتل الشهوة والرغبات الدنيوية وترك البشر ومفارقتهم ، وحمل النفس على التأمل والرياضة العقلية والعلم لتتمكن من ركوب سفينة النجاة

ثم يوغل السهروردي في الرمز ويتفنن فيه ، فيرمز ” بالجودي ” إلى جبل الحكمة والفهم والعقل الذي منه جميع المعقولات ، ويقول عن ” الجانب الأيسر ” العالم العقلاني ، ويتحكم في ” الجن ” التي هي قوة الخيال والفكر ، ويصل إلى ” عين القطر ” التي هي عين الحكمة والقوة الفطرية التي فطرالله عليها النفس ، فيقول : ” وكنا نسير في جارية ذات الألواح ودسر ، فخرقنا السفينة خيفة ملك وراءنا يأخذ كل سفينة غصبا ، والفلك المشحون قد مر بنا على جزيرة يأجوج و مأجوج إلى الجانب الأيسر من الجودي ، وكان معي من يعمل بين يدي ، وفي حكمي عين القطر ، فقلت للجن انفخوا فيه حتى صار مثل النار ، فجعلت سدا حتى انفصلت عنهم ” 3

فهذه النفس محاطة بالتخيلات الفاسدة المضلة التي لا تعصمها إلى القوة الفطرية ، ولا تنورها إلا عين الحكمة التي هي من جبل الجودي ، جبل الحكمة والمعقولات .

كل هذه الرموز التي أطلقها السهروردي في قصته الغربة الغريبة تهدف إلى تحصيل المعارف الإنسانية ولم تخدم المعارف الالهية وهي طريق إليها ، وهي كلها – المعارف الالهية والمعارف الانسانية – في مجملها ومحصولها تقصد إلى خلاص النفس من عالم الهيولى ، والارتقاء بها إلى العالم العلوي ، لتشرق بعد ذلك على نور الانوار ، وتحيط بفلك الأفلاك وتفنى في مبدع الكل وتنمحي فيه .

المرجع السابق : ص 279

المرجع السابق : ص 282

المرجع السابق : ص 285

المبحث الرابع : النفس وخلودها وحقيقتها

يستطرد السهروردي في وصف النفس وبيان معناها ، وحقيقة وجودها ، والعوارض التي تطرأ عليها ، وتلبسها بالعالم الهيولادي ومخالتطها للمادة ، ويبين خلودها بشكل مفصل وبأكثر من موضع ، حتى تكاد قصته الغربة الغرية كلها تتكلم عن هذه النفس ، وهي قصة نفسية إشارية رمزية ، فحين يعرف النفس ويبين مكان وجودها وإنها خلقت عند استعداد البدن لستقبالها ليقول : ” لما سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى بلاد المغرب لنصيد طائفة من طيور ساحل اللجة الخضراء” 1 ،

يتكلم في هذا النص عن ” السفر الإنساني ” من العالم العلوي ” ديار ما وراء النهر ” إلى العالم الهيولاني ” بلاد المغرب ” بمصاحبة القوة الفطرية العاصمة من الضلال ” أخي عاصم ” ، لتحصيل الكمالات الممكنة للنفس ، والتعرف على العلوم الجزئية ” طائفة من طيور ” من المحسوسات والمعقولات ، وهي بهذا تترقى في وجودها ، وتتذوق اللذة الكبرى حين تشرق على نور الأنوار ، ففي هذا النص يشير إلى أن النفس حادثة ، وأنها فاضت عن خالقها في نفس الوقت الذي تكون البدن فيه لتقبلها واستيعابها ، وقد صرح بهذا المعنى في كتابه هياكل النور حيث يقول : ” وآخرون توهموا قدمها ( يعني النفس ) ولم يعلموا أنها لو كانت كما زعموا متجردة ، فما الذي ألجأها إلى مفارقة عالم القدس والحياة والتعلق بعالم الموت الظلمات ؟ ومن الذي قهر القديم وحبسه ؟ وكيف امتاز بعضها في الأزل ونوعها متفق ولا محل زلا مكان ولا فعل ولا انفعال قبل البدن ، ولا هيئات مكتسبة كما يكون بعد البدن ؟ . ولا يصح أن تكون واحدة فتقسم وتتوزع على الأبدان ، فإن ما ليس بجسم لا يتجزأ ، بل هي حادثة مع البدن إذا تم استعداده لقبولها ، ولما رأيت فتيلة مستعدة لتشتعل مع النار من غير أن ينتقص منها شيء ، فلا تتعجب حصول النفس الناطقة عند استعداد البدن من غير أينتقص من واهبها شيء ” 2 .

ويمكن أن نستخلص من هذا النص ما يلي :

عدم قدم العالم .

خلود الروح و النفس ( و هما بمعنى واحد عند السهروردي ) و أن الروح أو النفس خلقت عند الجسد و عند استعداده لتقبلها .

مصدر المعرفة عند السهروردي هو : الحس و العقل معأ ، و فوقهما مصدر أعلى و هو الإلهام أو الإشراق النوراني .

هذه المعرفة تؤدي بالنفس إلى الكمال الممكن ، و إشراقها على نور الأنوار ، و خلاصها بالتالي من تلبسها بالعالم الهيولاني ، هذا الإختلاط بالعالم المحسوس ( الهيولاني ) يعطينا فكرة :ان النفس هي جسم”روحاني “لانه يعني كما يقول السهروردي :مخالفته للعالم المادي،ومخالفته المادة تعني الروح،فيقول:”فوقعنا بغتة في القرية الظالم اهلها،

1_المرجع السابق: ص276.

2 _هياكل النور:شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي،ص55_56،تحقيق الدكتور محمد علي ابو ريان،القاهرة بدون نشر ،طبعة عام 1957م.

اعني مدينة قيروان”1، فهذه النفس تلبست بالدنيا من خلال حلول الروح في الجسد ،وخاطت المحسوسات حيث يختلط المحسوس ،وهذه النفس تعقل ولاتحس لانها روحانية وليست مادية جسدية ،ويعني السهروردي”بالقرية الظالم اهلها “جميع الدنيا او الجسد وكلاهما صحيح،حيث الجسد من الدنيا والدنيا هي شيء محسوس وهيولاني .

ثم يبين السهروردي ان هذه النفس قدمت من موطنها الاصلي وهو العالم العلوي الى العالم الهيولاني بقوله:”فلما احس قومها اننا قدمنا عليهم فجأة ،ونحن من اولاد الشيخ المشهور بالهادي ابن الخير اليماني”2،وقدوم هذه النفس كان من العالم العلوي ،وفاضت من العقل الفعال وجاءت على هذا العالم الهيولاني، وبسبب اختلاف النفس بالقوى الجسمانية ومفارقة الشهوات ،واحاطة الهيئات الردية بها سقطت الى العالم الظلماني ،وازداد لصوقها بالبدن وبالعالم العنصري، فقوله “من اولاد الشيخ المشهور بالهادي ” يشير به الى الفيض الاول الذي صدر من العقل الفعال ،هذا الفيض هو “ابن الخير اليماني “،فكله خير ولا يصدر منه الا الخير ،وهذا يقودنا الى الكلام باثبات الخير دون الشر،وانما الشر هو انتفاء الخير لا غير وليس هذا المبحث مجال الحديث فيه.

ونعود ،”فابن الخير اليماني” هو العقل الكلي او العقل الاول او العقل الفعال وكله يجوز يحتمله النص السهروردي ،ويشير بقوله “اليماني ” الى الحديث المشهور “اني لاجد نفس الرحمن من قبل اليمن”.

ولكن هذا القدوم صاحبه اختلاط ،وهذا الاختلاط _اختلاط النفس بالبدن_ ادى الى مقارفتها الشهوات ،وبالتالي سقوطها في العالم الظلماني ،حيث يبين السهروردي ذلك بأن قوم الدنيا بعد ان قدمنا عليهم “احاطوا بنا فأخذونا مقيدين بسلاسل واغلال من حديد ،وحبسونا في قعر بئر لا نهاية لسمكها”3، فهذه القيود والسلاسل هي الشهوات و الهيئات الردية ،وهذا”الحبس” هو الحياة الدنيا، و”البئر” هو العالم الظلماني او البدن او العالم العنصري وكله يحتمل. ويقسم السهروردي النفوس الى:

- نفوس جزئية :وهي نفس الانسان.

- نفوس  كلية :وهي النفس التي صدرت منها النفوس الجزئية .

- نفوس فلكية : وهي خلقت قبل الاجسام ، وهي روحانية محضة، وهذا التقسيم المحه من قول السهروردي :”وكان فوق البئر المعطلة التي عمرت بحضورنا قصر مشيد ، وعليها ابراج عدة”4، فالبئر المعطلة وقعت فيه النفوس الجزيئة التي نزلت من “القصر المشيد ” الذي فيه النفس الكلية ،وفاض من النفس الكلية”ابراج عدة” التي هي النفوس الفلكية.

وهذه النفوس الفلكية هي عالية الرتبة والمنزلة، وهي اعلى درجة من النفوس الجزيئة ،ويمكن الوصول الى النفوس الفلكية بعد الانسلاخ من المحسوسات

قصة الغربة الغربية : ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي ، ص.

المرجع السابق : ص277.

المرجع السابق : ص277.

المرجع السابق : ص277.

والتخلي عن الهيولى، ولا يتم ذلك الافي حالة النوم او عند التأمل المستغرق والرياضة العقلية التي تصل بالنفس الى تلك الحالة من الانعتاق من المحسوسات حتى ترتبط بالفلك الاعلى وتشرق على نور الانوار بعد ذلك ،فيقول السهروردي في ذلك :” لا جناح عليكم ان صعدتم القصر متجردين  اذا امسيتم ،اما عند الصبح فلا بد من الهوي في غيابت الجب” ، فهو يقرر امكان اتصال النفس الجزيئة بالنفس الكلية والارتقاء الى منزلة النفوس الفلكية التي هي اقرب الى النفس الكلية ، وذلك اذا كنتم “متجردين” من الهيولى والعالم العنصري ،” اذا امسيتم ” حالة النوم وتعطل الحواس،” واما عند الصبح ” فتنتبه النفس النفس وتشنغل بالمحسوسات ، وتعود الى تلبسها بالعالم الهيولاني .

هذا الاتصال

المرجع السابق :ص278.

أكتب تعليق