صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته


يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً. (صحيح البخاري: كتاب الصوم، حديث رقم 1909).

ورواه مسلم في صحيحه (كتاب الصيام ، حديث رقم 1809) بلفظ : صُومُوا لِرُؤيَتِهِ، وأفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإن غُمِّيَ علِيْكُمْ فأكْمِلُوا الْعَدَد.

وقد روي الحديث بروايات عدة في أغلب كتب السنة منها ما يلي:

1- لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غمّ عليكم فاقدروا له.                                                   (صحيح البخاري: حديث رقم 1906). والإمام مسلم في صحيحه (كتاب الصيام 1795): لا تَصُومُوا حتّى تَرَوا الهِلالَ، ولا تُفطِرُوا حتّى تَرَوه، فإن أُغْمِيَ عليكُم فاقدرُوا لَهُ.

2- الشهرُ تسعٌ وعشرُونَ ليلةً فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدّةَ ثلاثينَ.                                        (صحيح البخاري: حديث رقم 1907 ). وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الصيام حديث 1797) بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: إنما الشهر تسعٌ وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمّ عليكم فاقدروا له.

التعليق على الحديث:

يشترك في تحديد الشهر القمري حركات كل من القمر والأرض والشمس، وأوضاعها النسبية الناتجة عن تلك الحركات، والقمر تابع للأرض لا يفارقها في دورانها حول محورها، ولا في سبحها حول الشمس، وهو يدور حول محوره بنفس سرعة دورانه حول الأرض ولذا يواجهها دائماً بوجهٍ واحدٍ، وبذلك يدور حول نفسه دورةً واحدةً في كل شهرٍ عربيٍ، تمثلُ يومهُ الذي يقتسمُه ليلاً ونهاراً يطولُ كلٌ منهما الى نصف طول الشهر القمريّ (14.5 – 15) يوماً. وبمجرد خروج القمر من مرحلة المحاق (مرحلة الاقتران أو اجتماع الأرض والقمر والشمس على استقامةٍ واحدةٍ مع وجود القمر بين الأرض والشمس) يولد الهلال الجديد، وبدورانهِ حول الأرض تزداد مساحة الجزء المنير من القمر بالتدريج حتى يصل الى التربيع الأول، فالأحدب الأول، فالبدر (مرحلة الاستقبال التي تكون فيها الأرض بين القمر والشمس)، ثم باستمرار دورانه حول الأرض تبدأ مساحة الجزء المنير من القمر كما نراه من فوق سطح الأرض في التناقص بالتدريج حتى يصل الى الأحدب الثاني ثم التربيع الثاني ثم الهلال الأخير، ثم يختفي في مرحلة المحاق إلى مولد الهلال التالي.

وطول الشهر القمري يتراوح بين 29 يوماً، 19 ساعة و29 يوماً ، 5 ساعات ، ويبلغ في المتوسط ( 29.53 ) يوماً، وبذلك يكون الشهر مرةً 29 يوماً، ومرةً 30 يوماً، وهذا نص حديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم. ومولد الهلال الجديد يقتضي السبق الظاهري للشمس في غروبها بالنسبة لغروب القمر، وخروج القمر من ضوء الشمس حتى يمكن رؤية الهلال بعد غروب الشمس.

والشهر القمري الشرعي يبدأ برؤية الهلال الجديد بعد غروب الشمس، وينتهي برؤية الهلال الوليد للشهر التالي بعد غروب الشمس كذلك، وبذلك تكون الفترة الزمنية لهذا الشهر أياماً صحيحة، وهي إما تسعة وعشرون يوماً وإما ثلاثون يوماً، ولأسبابٍ فلكيةٍ عديدةٍ قد يحدث أن تتوالى الأشهر الناقصة أو الأشهر الكاملة مرةً أو مرتين.

وإذا رؤي الهلال الجديد (رؤيةً شرعيةً صحيحةً بعد غروب الشمس) في مكانٍ ما من

الأرض، فقد دخل الشهر بالنسبة لجميع الأماكن التي تشترك مع هذا المكان في خط اتحاد المطالع في هذا اليوم، كما أنه يجب أن يكون أكثر ظهوراً في الأماكن التي تقع إلى الغرب

من هذا الخط في جميع أنحاء الأرض، وأما الأماكن التي تقع إلى الشرق من هذا الخط من خطوط اتحاد المطالع؛ فإن الهلال الجديد يرى فيها في الليلة التالية ويكون أكبر مساحةً وأشد نوراً.

ومعنى حديث  رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نحن بصدده أن علامة ابتداء الشهر القمري هي رؤية الهلال بعد غروب الشمس في الجو الصحو الذي لا يحول فيه حائل دون الرؤية الصحيحة، فإذا حال حائل دون ذلك فإن المسلمين أمامهم من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيارٌ من اثنين هما:

  1. 1. فإن غُمّ عليكم فاقدروا له.
  2. 2. فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة.

فالتقدير للذين يملكون القدرة على الحساب والتقنيات التي تمكنهم من ذلك، وإكمال عدّة شعبان ثلاثين يوماً للذين لا يملكون شيئاً من ذلك. فسبحان الذي ألهم خاتم أنبيائه ورسله حقيقة أن الشهر القمري إما إن يكون تسعاً وعشرن يوماً أو ثلاثين يوماً، وسبحان الذي علمه أن دخول الشهر الجديد وانتهاءه لايكون إلا برؤية الهلال بعد غروب الشمس تيسيراً على الخلق، وهي من الحقائق التي لم يدركها الإنسان إلا في القرنين الماضيين، وورودها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النبي الأميِّ الذي بُعِثَ في مجتمعٍ بدائي لهو من أنصع الشهادات على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.

مجلة آيات




الموضوعات المشابهة

coded by nessus

أكتب تعليق