(2) الرواية والدراية في علم الحديث


سنعرض هنا لتعريف علم الحديث ثم نفصل أدوار مصطلح الحديث التاريخية.


ونبدأ أولاً بتعريف كلمتي العلم والحديث

العلم لغة : هو الإدراك والفرق بينه وبين المعرفة أن العلم يطلق لإدراك الكليات عن دليل والمعرفة لإدراك الجزئيات.

والحديث لغة : ضد القديم ويستعمل في اللغة أيضاً حقيقة في الخبر قال في القاموس الحديث الجديد والخبر.

وفي اصطلاح علماء الإسلام ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي وعلى هذا التعريف لا يدخل في التعريف الحديث الموقوف وهو ما أضيف أي نسب إلى الصحابي ولا المقطوع أي ما أضيف للتابعي وهو مذهب الكرماني والطيبي ومن وافقهما[1] .

لكن الجمهور ذهبوا إلى أنهما من الحديث وسووا في الدلالة بين الحديث والخبر أيضاً قال الحافظ أحمد بن علي بن حجر في نزهة النظر الخبر عند علماء الفن مرادف للحديث فلا فرق إذن عند الجمهور بين الحديث والخبر[2] .

فالتعريف المختار للحديث هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي.

وأما السنة : فهي لغة السيرة والطريقة المعتادة حسنة كانت أو قبيحة[3].

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها … [4]

وتطلق  في العرف الإسلامي على طريقة الإسلام ومنه قولهم فلان على السنة وقولهم سنة وبدعة.

وتطلع عند الفقهاء على ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.

وفي اصطلاح المحدثين : تطلق السنة على ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة عند بعضهم والأكثر أنها تشمل ما أضيف إلى الصحابي أو التابعي[5]

لكننا نلاحظ نتيجة الممارسة والتتبع أن لفظ السنة أكثر ما يستعمل عند علماء أصول الفقه ويعرفونها بأنها ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير[6] فيجعلونها خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكرون فيها الوصف وذلك لأنهم يبحثون فيها كمصدر للتشريع والتشريع يثبت بالقول أو الفعل أو التقرير منه صلى الله عليه وسلم.

أما علماء الآثار فأكثر ما يتسعملون كلمة الحديث

وأما الأثر فقد خصه فقهاء خراسان بالموقوف اصطلاحاً ومنهم جماعة خصوا المرفوع بالخبر.

لكن المعتمد الذي عليه المحدثون أ، يسمى كل هذا أثراً لانه مأخوذ من أثرت الحديث أي رويته[7]

ويؤيد ذلك إطلاق الحافظ العراقي على نفسه لقب الاثري بمعنى المحدث حيث قال في أول ألفيته :

يقول راجي ربه المقتدر                عبدالرحيم بن الحسين الأثري

وسمي الحافظ ابن حجر كتابه في المصطلح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر وغير ذلك كثير يشهد لما قلناه.

والحاصل : أن هذه العبارات الثلاثة الحديث الخبر الاثر تطلق عند المحدثين بمعنى واحد هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو تقريراً أو صفة خلقية أو خلقية أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي.

أما السنة فالمحدثون يشملون بها الصفة لكن الأصوليين لا يجعلون الصفة داخلة في مدلول السنة

مثال القول حديث إنما الاعمال بالنيات[8]

ومثال الفعل قول عائشة في صيامه صلى الله عليه وسلم للتطوع كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم [9]

ومثال التقرير حديث ابن عمر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم[10] فهذا هو التقرير أو الإقرار يعني أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء أو يحدث أمامه فلا ينكره صلى الله عليه وسلم.

ومثال الوصف الخلقي حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان … [11]

ومثال الوصف الخلقي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً وأحسنه خلقاً ليس بالطويل البائن ولا بالقصير[12]

ومعنى علم الحديث كتعبير لغوي إدراك الحديث لكنه استعمل عند العلماء كاصطلاح يطلقونه باطلاقين :

أحدهما علم الحديث رواية أو علم رواية الحديث

والثاني : علم الحديث دراية أو علم دراية الحديث

تعريف علم الحديث رواية

وردت عند العلماء تعاريف كثيرة لعمل رواية الحديث من أشهرها تعريف ابن الاكفاني حيث قال علم الحديث الخاص بالرواية علم يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها[13].

لكن اعتراض على التعريف بأنه غير جامع أي أنه لا يشمل كل المعرف لانه لم يذكر تقريراته وصفاته كما أنه لم يراع مذهب القائلين بأن الحديث يشمل ما أضيف للصحابي أو التابعي.

فالمختار أن تقول في تعريف علم الحديث رواية هو علم يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها.

ونزيد في التعريف أو الصحابي أو التابعي : إن أريد مراعاة المذهب المشار إليه الذي عليه الأكثر .

موضوعه موضوع كل علم هو ما يدور البحث عن عوارضه في ذلك العلم وهذا العلم موضوعه هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو التابعي فإنه يبحث في هذا العلم عن روايتها وضبطها ودراسة أسانيدها ومعرفة حال كل حديث أنه صحيح أو حسن أو ضعيف كما أنهم يبحثون في هذا العلم عن معنى الحديث وما يستنبط منه من الفوائد.

فعلم الحديث يحقق بذلك غاية عظيمة جداً تقوم على الصون عن الخلل في نقل الحديث[14]

وذلك بالمحافظة عليه كما ورد ونقله ثم إنه يحقق بما بذل في شروحه من الجهود معرفة هذا الحديث الذي نريده أنه مقبول فنعمل به أو مردود فلا يعمل به ويبين لنا معناه وما يستنبط منه من الفوائد فهو علم عظيم القدر والشأن يدني الينا على فيوضات النبوة[15]

تعريف علم الحديث دراية :

ويطلق عليه مصطلح الحديث أو علوم الحديث أو أصول الحديث ويطلق عليه أيضاً علم الحديث كما وقع في مطلع ألفية العراقي[16]

وأحسن تعريف لهذا العلم هو تعريف الإمام عز الدين بن جماعة حيث قال علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن[17]

فقوله علم معنى العلم الإدراك المطابق للواقع عن دليل وهذا جنس في التعريف يصدق على العلوم الأخرى كالفقه وأصوله والتفسير[18]

لكن قوله يعرف بها قيد أو فصل أدخل علم المصطلح في التعريف وأخرج ما عداه.

أما السند فالمراد به عند المحدثين حكاية رجال الحديث الذين رووه واحداً عن واحد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما الإسناد فهو إضافة الحديث إلى قائله أي نسبته إليه وقد يطلق أحدهما على الآخر كما أنهما قد يطلقان على رجال سند الحديث ويعرف المراد بالقرائن.

وأحوال السند هي ما يطرأ عليه من اتصال أو انقطاع أو تدليس أو تساهل بعض رجاله في السماع أو سوء حفظه أو اتهامه بالفسق أو الكذب أو غير ذلك[19]

وأما المتن فهو ما ينتهي إليه السند من الكلام[20]

وأحوال المتن هي ما يطرأ عليه من رفع أو وقف أو شذوذ أو صحة أو غير ذلك.

وموضوع هذا العلم الذي يبحثه هو السند والمتن من حيث التوصل إلى معرفة المقبول من المردود.

وهذا قد يستشكل بأنه سبق أن ذكرناه في موضوع علم الحديث رواية فما الفرق؟

الجواب أن علم الحديث دراية يوصل إلى معرفة المقبول من المردود بشكل عام أي بوضع قواعد عامة فأما علم رواية الحديث فانه يبحث في هذا الحديث المعين الذي تريده فيبين بتطبيق تلك القواعد أنه مقبول أو مردود ويضبط روايته وشرحه فهو إذن يبحث بحثاً جزئياً تطبيقياً فالفرق بينهما كالفرق بين النحو وبين الإعراب وكالفرق بين أصول الفقه وبين الفقه.


[1] أنظر الكواكب الداري للكرماني 1 : 12

[2] أما الاولون فقد خصوا الخبر بغير النبي للتمييز بينه وبين الحديث ولذلك قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها الاخباري ولمن يشتغل بالسنة النبوية المحدث.

ومن العلماء من قال : بين الحديث والخبر عموم وخصوص مطلق فالخبر أعم من الحديث حيث يصدق على ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم وعلى ما جاء عن غيره بخلاف الحديث فانه يختص بالنبي فكل حديث خبر وليس كل خبر حديثاً شرح النخبة ص : 3 طبع مطبعة الاستقامة بمصر

[3] لسان العرب 17 : 89

[4] أخرجه مسلم : 3 : 87

[5] شرح النخبة 16 وقارن التقريب للنووي وشرحه للسيوطي 109

[6] حاشية التلويح للسعد التفتازاني 2 : 2

[7] تدريب الراوي شرح تقريب النووي 6 , 109

[8] أخرجه البخاري في أول صحيحه ومسلم في الإمارة 6 : 48

[9] البخاري صوم شعبان 3 : 38 ومسلم صيام النبي صلى الله عليه وسلم 3 : 160 – 161

[10] البخاري بلفظه في صلاة الخوف 2 : 15 ومسلم في المغازي 5 : 162

[11] البخاري أول صحيحه ومسلم في الفضائل 7 : 73

[12] البخاري صفة النبي صلى الله عليه وسلم 4 : 188 ومسلم في الفضائل 7 : 83

[13] تدريب الراوي ص4 نقلا عن ارشاد القاصد الذي تكلم فيه ابن الاكفاني على انواع العلوم وانظر التعاريف الاخرى في فتح الباقي شرح ألفية العراقي للشيخ زكريا الانصاري ج2 ص7 والكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري للكرامني 1 : 12 والمقاصد في أصول الحديث لكمال بن محمد اللاوي ق 1 ب

[14] حاشية الصعيدي على فتح الباقي ق 9 آ وحاشية الاجهوري على شرح النخبة ق 6 ب

[15] وقال الكرماني إن موضوع علم الحديث ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث أنه رسول الله وقلده في ذلك بعض من عاصرنا من الكاتبين في هذا الباب.

لكنا نجد في هذا التعبير رغم جزالته وروعته توسعا كبيرا إذ شمل علوماً أخرى ليست من الحديث فانه يتناول القرآن لانه صدر عنه عليه الصلاة والسلام بحكم الرسالة على سبيل التبليغ عن الله ويشمل إثبات رسالته وهي من علم التوحيد.

وأيضاً فإنه يخرج عن موضوع العلم الأحاديث الواردة في صفاته الخلقية المنيفة وتاريخ مولده ونسبه ووفاته ونحو ذلك مما لا يتعلق بالرسالة وهو من الحديث بالإجماع وأياً ما كان الأمر فلا خلاف في أن السيرة وما يلحق بها من شرح واستنباط كل ذلك من علم الحديث والشواهد على ذلك أكثر من أن يحصر.

[16] حيث قال فهذه المقاصد المهمة    توضح من علم الحديث رسمه

وما وقع لبعض الكاتبين في عصرنا من الفرق بين المصطلح وبين علوم الحديث أو جعل أحدهما خاصاً ببعض الابحاث فهو تساهل.

[17] تدريب الراوي 5

[18] وقوله علم هذا باعتبار كونه ملكة في نفس العالم به ويطلق مصطلح الحديث على العلم المدون أي القواعد المدونة في لاالمصنفات فيعرف بهذا الاعتبار بأنه القوانين التي يعرف بها … الخ.

[19] فقوله أحوال السند والمتن أدق من قولهم أحوال الراوي والمروي وإن اختاره الحافظ ابن حجر لان معرفة حال السند تستلزم معرفة حال كل من رواته لكن معرفة حال الراوي لا تستلزم معرفة حال السند من جميع الوجوه كالشذوذ والإعلال… والسند مأخوذ إما من السند وهو ما يستند إليه من حائط أو غيره كما في المصباح المنير أو من قولهم فلان سند أي معتمد عليه كما في مختار الصحاح.

[20] مأخوذ من المتن وهو ما صلب وارتفع من الأرض كما في المصباح لان المسند يقويه بالسند ويرفعه إلى قائله انظر التدريب 5 – 6

أكتب تعليق