المختار من شعر أبي الطيب المتنبي


المتنبي

المتنبي

في هذا القسم المخصص لديوان الشاعر يتحرى في الاختيار تقديم شعر الشواهد الذي يفسر لنا أخبار حياته ويدل على مبلغ الأصالة في تفكيره الذي يستوحيه من مزاجه ومن ثقافته يدافع من طبعه ، وتلك هي الشواهد التي يصح أن تخرج منها بفلسفة الشاعر في مسائل الحكمة والخلق ، وذوق التعبير والبيان ، وينطوي فيها كل شعر مطبوع له ، ولو كان من اعراض المديح والتخلص ، التي تحسب من عرض القول ونواقل النظم ، وهي لا تخلو في كل شاعر مطبوع من دلالة على سابقته وأصالة فكره وشعوره .

ولم يكن المتنبي منفرداً بين كبار شعراء العربية بثقافته الدينية أو باطلاعه على قصص الأنبياء وأخبار الدعوات والمذاهب والمعتقدات أو غير المعتقدة ، فربما كان منهم من يعلم علمه بها أو يزيد عليه ،ـ ولكنهم – جميعاً – لم يكن منهم واحد تسبق أسماء الأنبياء والدعاة إلى خاطره وهو ينظم قصائده ، كما سبقت هذه الأسماء إلى خاطر المتنبي في جميع أغراضه ، ولو لم تكن لها صلة بالبحث في العقيدة أو الدين .

فهو يقول في قصيدة من شعر المديح :

لو كان ذو القرنين أعمل رأيه   لما رأى الظلمات صرن شموا

أو كان صادف رأس ” عازر ” سيفه  في يوم معركة لأعيا ” عيسى “

أو كان لجُّ البحر مثل يمينه   ما انشق حتى جاز فيه ” موسى “

ويمدح أيضا يقول :

وكأنما ” عيسى ابن مريم ” ذكره   وكأن ” عازر ” شخصه المقبور

ويقول في المديح أيضاً :

فآجرك الإله على عليل   بعثت إلى ” المسيح ” به طبيبا

ويمدح آخر فيقول :

لو كان لفظك فيهم ما أنزل ال    الفرقان والتوراة والانجيلا

ويقول في الشكوى :

ما مقامي بأرض نخلة إلاّ   كمقام ” المسيح ” بين ” اليهود “

أنا في أمة تداركها الل  ه غريب ” كصالح ” في ” ثمود “

ويقول واصفاً :

ملاعب جنة لو سار فيها   ” سليمان ” لسار بترجمان

ويقول راثياًً :

خرجوا به ، ولكل باك خلفه   صعقات ” موسى ” يوم دك الطّور

ويقول مادحاً :

أني يكون ، أبا البرية آدم    وأبوك ، والثقلان أنت ، محمد

ويقول مستعطفاً :

فلا تسمعنّ من الكاشحين   ولا تعبأن بعجل ” اليهود “

ويقول متغزلاً :

يترشفن من فمي قبلات   هنّ احلى فيه من التوحيد

ويشير إلى قصة خاتم ” سليمان ” الذي ضاع وتفقده صاحبه أربعين يوماً ليقول إنه يريد على تلك الأربعين ، إذ يتفقد سكان الأطلال تفقد الشحيح :

بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها   وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه

وذكر دعوة ” ماني المجوسي  ” إذ يقول متغزلاً :

وكم لظلام الليل عندي من بد  تخسر أن ” المانوية ” تكذب

وهو لهج ولذكر النبوات والدعوات يدل على اشتغال دائم بها ، وليس قصاراه أن يدل على مجرد العلم بها كما علم بها غيره من الشعراء .

وفي شعره ما يدل على إحاطة بمذاهب الفلسفة التي تنكر العقيدة على كل وجهة من وجهاتها في إجمالها ، فقد جمعها بقولها هاجياً ” لكافور ” :

فإنه حجة يؤذي القلوب بها   من دينه الشك والتعطيل والقدم

إذ كان الفلاسفة المنكرون لا يخرجون عن مذهب من هذه المذاهب الثلاثة : وهي الشكوكية ، والإلحاد والقول بقدم العالم بغير حاجة إلى فاعل ، وإن لم ينكروا وجود الإله كما ينكره الملحدون .. وأشارة المتنبي إلى مصادر الفلسفة اليونانية إشارة قارئ متعمق يعرف من أين جاءت المذاهب التي كان المرددون لاقوال الفلاسفة على السماع ينسبونها كلها تارة إلى أرسطو وتارة أخرى إلى ألإلاطون
وحقيقة الكثير مما نسب إلى ” أفلاطون ” و ” أرسطو ” أنه من عمل ” الإسكندر الافروديسي ” تلميذ “أفلوطين ” وملخص كتاب ” الأثولوجيا ” الذي عرف باسم البوبية ، واعتقد قراؤه بالعربية أنه من كتب الفلاسفة الأولين ، وإلى الإسكندر هذا يشير المتنبي حين قال يمدح ابن العميد :

من مبلغ الأعراب أني بعدهم   جالست رسطاليس والاسكندرا

وسمعت بطليموس دارس كتبه   متملكاً ، متبدياً ، متحضرا

وليس للحكمة اليونانية مصادر أوفى من مصادر هؤلاء الحكماء الثلاثة ، وقد ظن بعض شراح الشاعر أنه عنى بالاسكندر سميه ذا القرنين ، وهو خطأ يدل على الفارق بين اطلاع الشاعر على موضوعاته الفلسفية ، واطلاع الأكثرين من المتأدبين في زمانه ،

وإذا كان هذا محصوله من فلسفته الثقافية ، فقد يستخرج القارئ من فلسفته المطبوعة مذهباً كاملاً من مذاهب الإيمان بالقوة كمذهب ” نيتشه ” في جملة قواعده ، فهو دائما التفرقة بين أخلاق السادة وأخلاق العبد في مواضع شتى من شعره ، إذ يقول :

وما في سطوة الأرباب عيب    وما في ذلة العبدان عار

أو يقول :

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته    وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

أو يقول مستنكراً التسوية بين الخليقتين :

تشابهت البهائم والعبدى   علينا والموالي والصميم

أو يقول في هذا المعنى :

وشر ما قنصته راحتي قنص   شهب البزاة سواء فيه والرخم

وإنما يطلب ” الامتياز ” ولو بين العين والعين ، كما قال :

هو الجد حتى تفضل العين اختها   وحتى يصير اليوم لليوم سيدا

وإنما الحياة أبغض من الموت إذا تساوى فيها حظه وحظ من هو دونه

وما موت بأبغض من حياة   أرى لهم معي فيها نصيبا

وإنما كان طلب القوة والتمام ، لا طلب البقاء والسلامة ، هو قانون الحياة المثلى في عقيدة ” أبي الطيب ” قيل عقيدة ” نيتشه ” بعدة قرون :

ولم أر في عيوب النّاس عيبا   كنقص القادرين على التمام

وقد ناقش مذهب ” داروين ” في حب البقاء بكل صحة يدين بها فيلسوف القوة وهو يأنف من القناعة بمجرد البقاء ، فليس معنى حب البقاء عند طالب المجد إلا أنه يبقى عزه مجده ، ولو كلفه ذلك أن يفتحو موارد الهلكة :

أرى كلمت يبغي الحياة لنفسه   حريصاُ عليها مستهاما بها صما

فحب الجبان النفس أورقه التقى   وحب الشجاع النفس أورده الحربا

وذاك أن مذاق الموت أطيب من مذاق الهوان عند طالب العزة والكرامة ، وإن تساوى الأعزاء والأذلاء في حب الحياة :

ومراد النفوس أهون من أن    نتعادى فيه وأن نتفانى

غير أن الفتى يلاقي المنايا    كالحات ولا يلاقي الهوانا

أو كما قال : فشر الحمامين الزوامين عيشة   يذل الذي يختارها ويضام

وغاية الصدق في الإبانة عن الطبع ، والتعبير عن الشعور بوحي السليقة أن يكون الشاعر محيطاً باللباب من فلسفة القوة إحاطة الفيلسوف العالم الذي يعالجها تفكيراً ، أتو يحثاً ودراسة لأخلاق البطولة في حاضر زمنه ، أو في صحائف التاريخ .

بل غاية الصدق للطبع الأصيل أننا قد نستخرج أصول ” فلسفة القوة ” من وصف هذا الشاعر لكل ظاهرة من ظواهر الحياة ، وكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة ، فضلا عن وصف البطولة الإنسانية على مثالها الأعلى في أشخاص ممدوحيه ، ولا سيما ممدوحه ذلك البطل الحق منهم ” سيف الدولة بن حمدان “

ففي بعض مدائحه له – بعد بنائه لثغر ” الحدث ” يقول :

يكلف ” سيف الدولة ” الجيش همه   وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم

ويطلب عند الناس ما عند نفسه   وذلك مالا تدعيه الضراغم

تفدى أثم الطير عمراً سلاحه   نسور الفلا أحداثها والقشاعم ([1])

وما ضرها خلق بغير مخالب   وقد خلقت أسيافه والقوائم

هل الحدث الحمراء تعرف لونها   وتعرف أي الساقيين الغمائم

سقتها الغمام الغر قبل نزوله   فلما دنا منها سقتها الجماجم

بناها فأعلى ، والقنا يقرع القنا   وموج المنايا حولها متلاطم

وكان بها مثل الجنون فأصبحت   ومن جثث القتلى عليها تمائم ([2])

وكيف ترجى الروس هدمها    وذا الطعن أساس لها ودعائم

أتوك بجرون الحديد كأنما   سروا بجياد مالهن قوائم

خميس بشرق الأرض والغرب زحفه  وفي أذن الجوزاء منه زمام

تجمع فيه كل لسن وأمة  فما يفهم الحداث إلا التراجم

وقفت وما في الموت شك لواقف   كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة   ووجهك وضاح وثغرك باسم

تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى   إلى قول قوم أنت بالغيب عالم

وبمثل هذه الروعة يقع في النفس وصفه للأسد من قصيدة يمدح بها فارساً آخر ، يكذر ببطولة لا تقل عن بطولة ” سيف الدولة ” وهو ” بدر بن عمار ” الذي كان يلقي الأسود بسوطه ، ويهيجها عن فرائسها وهي أِد ما تكون ضراوة وبأساً ! قال يخاطب ابن عمار ” :

أمعفّر الليث الهزير بسوطه  لمن ادخرت الصارم المصقوى

وقعت على الأردن منه بلية  نضدت بها هام الرفاق تلولاً

ورد إذا ورد البحيرة شارباً   ورد الفرات زئيره والنيلا

متخضب بدم الفوارس لابس   في غيله من لبدته غيلا

ما قوبلت عيناه إلا ظنتا  تحت الدجى نار الفريق حلولا

في وحدة الرهبان إلا أنه    لا يعرف التحريم والتحليلا

يطأ الثرى مترفقاً من تيهه   فكأنه آس يجس عليلاً

ويرد عفرته إلى يافوخه   حتى تصير لرأسه إكليلا

فصرت مخافته الخطى فكأنما   ركب الكمى جواده مشكولا

ألقى فريسته وبربر دونها   وقربت قرباً خاله تطفيلا

فتشابه الخلقان في إقدامه   وتخالفا في بذلك المأكولا

ما زال يجمع نفسه في زوره   حتى حسبت العرض منه طولا

ويدق بالصدر الحجار كأنه   يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا

وكأنه غرته عين فادّنى   لا يبصر الخطب الجليل جليلاً

أنف الكريم من الدنيئة تارك   في عينه العدد الكثير قليلاً

والعار مضاض وليس بخائف   من حتفه من خاف مما قيلا

سبق التقاءكه بوثبة هاجم   لو لم تصادمه لجازك ميلا

خذلته قوته وقد كافحته   فاستنصر التسليم والتجديلا

قبضت منيّته يديه وعنقه  فكأنما صادفته مغلولا

وكهذا الوصف في صدق الشعور بالقوة الحيوية حيث كانت ، قوله في وصف فرس خرج به للصيد :

ويوم كليل العاشقين كمنته   أراقب فيه الشمس أيان تغرب

وعيني إلى أذني أغر كأنه   من الليل باق بين عينيه كوكب

له فضله عن جسمه في إهابه   تجيء على صدر رحيب وتذهب

شققت به الظلماء أدنى عنانه   فيطغى وأرخيه مرارا فيلعب

وأصرع أي الوحش قفيته به   وأنزل عنه مثله حين أركب

وما الخيل إلا كالصديق قليلة   وإن كثرت في عين من لا يجرب

والبحيرة ماء وهواء حين نلقي عليها النظر بين ظواهر الطبيعة ، ولكنها ميدان تصطرع فيه القوى حين ينظر إليها ” أبو الطيب ” كما نظر إلى بحيرة طبرية ” :

لولاك لم أترك البحيرة وال   غور دفيء وماؤها شيم([3])

والهوج مثل الفحول مزبدة   تهدر فيها وما بها قطم ([4])

والطير فوق الحباب تحسبها   فرسان بلق تخونها اللجم

كأنها والرياح تضربها   جيشا وغى هازم ومنهزم

تغنت الطير في جوانبها   وجادت الروض حولها الديم

فهي كماوية مطوقة   جرد عنها غشاؤها الأدم

وإذا اتسعت فلسفة القوة لشيء من فلسفة اللذة إلى جانبها سمعت لها من ” المتنبي ” نغمة نادرة نستغربها في مثل قوله :

أنعم ولذ فللأمور أواخر   أبداً إذا كانت لهن أوائل

 ما دمت من أرب الحسان فإنما   روق الشباب عليك ظل زائل

ولا تكاد تستغربها حتى تسمع في القصيدة نفسها نغمة للحب كأنها قعقعة السلاح ، إذ يقول في وصف الحسان :

الراميات لنا وهن نوافر   والخاتلات لنا وهن غوافل

من طاعني ثغر([5]) الرجال جاذر   ومن الرماح دمالج وخلاخل

ولذا اسم أغطية العيون جفونها   من أنها عمل السيوف عوامل

وعلى شرط الإباء والإنفة تكون الحسان من أرب الفتى ، لأن الفتى وروق الشباب يظله – هو أيضا من أرب الحسان ، وعلى شرط الإباء والأنفة كذلك تكون للمليحة ساعتها ثم يفترقان :

وللخود مني ساعة ثم بيننا   فلاة إلى غير اللقاء تجاب

ولا يكون منزل اللذات أبداً غير منزل الكرامة والتبجيل :

وما منزل اللذات عندي بمنزل   إذا لم أبجل عنده واكرم

وندر من الشعراء من يحتفظ بطابعه في مفرداته ومتفرقاته كما يحتفظ بها في مطولاته أو جملة الأبيات من مقطوعاته ، وأبوالطيب من أوائل هؤلاء النوادر الذين يعرفون بالبيت الواحد من أشعارهم ، بل بالشطرة المنفردة من البيت ، لأنه قد عرف بأبياته التي سارت مسير الأمثال بين جمهرة من رواة الشعر لم تعرفه بغير تلك الأبيات ، ويقع النظر على أمثاله هذه حينما تقلبت أمامه صفحات الديوان بغير إطالة ولا إنعام في البحث والاختيار ، وهذه طائفة متفرقة منها تدل عليها ولا تحصيها ، ونتبعها نحن بين صفحات الديوان على هذا المنوال :

على قدر أهل العزم تأتي العزائم   وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها   وتصغر في عين العظيم العظائم

ومن طلب الفتح الجليل فإنما   مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم

ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده   تصيّده الضرغام فيما تصيدا

لقد أباحك غيشاً في معاملة   من كنت منه بغير الصدق تنتفع

إنّا لفي زمن ترك القبيح به   من أكثر الناس إحسان وإجمال

لولا المشقة ساد الناس كلهم   الجود يفقر والإقدام قتّال

ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته   ما قاته وفضول العيش أشغال

لولا العقول لكان أدنى ضيغم   أدنى إلى شرفٍ من الإنسان

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه   وصدّق ما يعتاده من توهم

وعادي محبيه بقول عداته   وأصبح في ليل من الشك مظلم

لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها   سرور محب أو إساءة مجرم؟

تريدين إدراك المعالي رخيصة   ولا بد دون الشهد من إبر النحل

وإذا كانت النفوس كباراً   تعبت في مُرادها الأجسام

وما ينفع الأسد الحياء من الطوى   ولا تُتّقى حتى تكون ضواريا

وما كل ما يتمنى المرء يدركه   تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

أعز مكان في الدُنى ظهر سابح   وخير جليس في الزمان كتاب

وأظلم أهل الأرض من بات حاسداً   لمن بات في نعمائه يتقلب

وحيد من الإخوان في كل بلدة   إذا عظم المطلوب قل المساعيد

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى   عدواً له ما من صداقته بُدّ

فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله   ولا مال في الدنيا لمن قل مجده

إنما تنجح المقالة في المر   إذا صادفت هوى في الفؤاد

إن السلاح جميع الناس تحمله    وليس كل ذوات المخلب السبع

وما الحسن في وجه الفتى شرفاً له   إذا لم يكن في فعله والخلائق

إلف هذا الهواء أوقع في الأنــ      فس أنّ الحمام مرّ المذاق

والأسى قبل فرقة الروح عجزٌ   والأسى لا يكون بعد الفراق

وليس يصح في الأذهان شيء    إذا احتاج النهار إلى دليل

آلة العيش صحة وشباب    فإذا وليّا عن المرء ولى

وإذا الشيخ قال أف فما مــ    لّ حياة وإنما الضعف ملّا

إنما أنفس الأنيس سباع   يتفارسن جهرة واغتيالاً

من أطاق التماس شيء غلاباً   واغتصاباً لم يلتمسه سؤالاً

والظلم من شيم النفوس فإن تجد    ذا عفة فلعلّه لا يظلم

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره   إذا استوت عنده الأنوار والظلم

***

شرُّ البلاد بلادٌ لا صديق بها   وشرُّ ما يكسب الإنسان ما يَصِمُ

***

من الحلم أن تستعمل الجهل دونه    إذا اتسعت في الحلم طُرْقُ المظالم

***

ومن عرف الأيام معرفتي بها    وبالناس روى رمحه غير راحم

فليس بمرحوم إذا ظفروا به   ولا في الردى الجاري عليهم بآثِم

***

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله   وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

***

كلما أنبت الزمان قناة   ركب المرء في القناة سنانا

***

ولو أن الحياة تبقى لِحَيّ  لعددنا أضلّنا الشجعانا

وإذا لم يكن من الموت بُدّ   فمن العجز أن تموت جباناً

***

كل ما لم يكن من الصعب في الأنــ   فس سهل فيما إذا هو كانا

***

إذا غامرت في شرف مروم   فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير    كطعم الموت في أمر عظيم

يرى الجبان أن العجز عقل   وتلك خديعة الطّبع اللئيم

***

وكم من عائب قولاً صحيحا   وآفته من الفهم السقيم

ولكن تأخذ الأسماع منه على قدر القرائح والفهوم

****

من كان فوق محل الشمس موضعه   فليس يرفعه شيء ولا يضع

**

فقد يظن شجاعاً به خرق   وقد يظن جباناً من به زمع

***

وما الخوف إلا ما تخوّفه الفتى   وما الأمن إلا ما رآه الفتى آمناً

***

ليست صبابة مشتاق على أمل   من اللقاء كمشتاق بلا أمل

**

ولكن إذا لم يحمل القلب كفه   على حالة لم يحمل الكف ساعِد

**

وكل يرى طرق الشجاعة والندى   ولكن طبع المرء للمرء قائد

فإن قليل الحب بالعقل صالح   وإن كثير الحب بالجهل فاسد

**

ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسىً   بكى بعيون سرّها وقلوب

**

فرُبّ كئيب ليس تندى جفونه   ورُب ندى الجفن غير كئيب

**

وما كل ذي لب بموْتيك نصحه    وما كل موت نصحه بلبيب

**

وفي تعب من يحسد الشمس نورها   ويطمع أن يأتي لها بضريب

**

ومن صحاب الدنيا طويلاً تقلبت     على عينه حتى يرى صدقها كذباً

**

ولست أبالي بعد إدراكي العلا   أكان تراثاً ما تناولت أم كسبا

**

إذا رأيت نيوب الليث بارزة    فلا تظنن أن الليث يبتسم

**

الهجر أقتل لي مما أراقبُهُ   أنا الغريق فما خوفي من البلل

**

قد ذقت شدة أيامي ولذتها   فما حصلت على صاب ولا عسل

خُذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به    في طلعة الشمس ما يغنيك عن زُحل

***

لا تعذل المشتاق في أشواقه    حتى يكون حشاك في أحشائه

**

إن القتيل مضرّجاً بدموعه   مثل القتيل مضرجاً بدمائه

**

ولا تطمعن من حاسد في مودة   وإن كنت تُبديها له وتنيل

**

يهون علينا أن تصاب حسومنا   وتسلم أعراض لنا وعقول

**

وما كل من قال قولاً وفى    ولا كل من سم خسفاً أبى

**

والأمر لله رُبّ مجتهد    ما خاب إلا لأنه جاهد

**

فإن تكن ” تغلب ” الغَلبْاء ([6])عنصرها    فإن في الخمر معنى ليس في العنب

**

أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها   مضغ الكلام ولا صبغ الحواجب

ولا برزن من الحمّام مائلة     أعجازهن صقيلات العراقيب

ومن هوى كل من ليست مموّهة    تركت لون مشيبي غير مخضوب

ومن هوى الصدق في قولي وعادته    رغبت عن شعر في الرأس مكذوب

ليت الحوادث باعتني الذي أخذت   مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي

فما الحداثة من حلم بمانعة    قد يوجد الحلم في الشبان والشيب

**

وهذه ثروة من المثل السائر لا نعلم لها نظيراً فيما يستشهد به من مفردات الشعراء الكبار ومتفرقاتهم ، غير شواهد ” شكسبير ” في رواياته التي زادت على الثلاثين ، وهي على رجحانها في الكثرة لا يجد فيها طلاب شواهد أمثلة أوفق لموضعها ، وأصدق في دلالتها على تجارب الحياة من هذا الفرض الزاخر في ديوان ” أبي الطيب ” على صغره ، بالقياس إلى منظوم ” شكسبير ” ومنثوره ، وتتساوى شواهد الشاعرين في خصلة واحدة ، ينتفع بها نقاد الأدب الذين يخلطون بين شعر الحكمة وشعر التفكير المجرد من البواعث النفسية ، فإن كلمة الحكمة تخدع هؤلاء فيحسبونها ضرباً من حكمة التعقل المحض الذي يشبه معادلات الرياضة وحقائق الحساب ، وهي في الواقع تحتوي من بواعث النفس وشواغل العاطفة ألواناً لا يحتويها شعر الغزل ولا شعر الحماسة ، لأنها خلاصة تجارب الحياة بما وسعت من أمل ويأس ، ومن فرح وحزن ومن فلاح وخيبة ، ومن حب وبغضاء ، ومن خلاف ووفاق على نوازع الحس ومذاهب الآراء ، لا يدركها الشاعر لأنه تأمل فيها بينه وبين أوراقه ومطالعاته ، ولكنه يدركها لأنه خاض غمار دنياه ، وتمرس بآفاتها ، وابتلى بما يقيمه ويقعده من أهوالها وشدائدها ، وليس رضا السامع عنها لأنها فكرة صحت حسبتها كما تصح جداول الحساب عنده ، وإنما يرضى عنها رضا الارتياح لما وافق شعوره ، ولما فسر له من غوامضه وبسط له من مغلقاته وأسراره .

وهذه هي مزية الطبع الصادق والحكمة ” الحيوية ” التي امتاز بها ” أبو الطيب ” فجعلته بحق شاعر العربية ، ولسان عبقريتها وترجمان بلاغتها ، وهي مزية يتممها السؤال عن مكان الفن في لفظه ومعناه ، بعد العلم بمكان ” الطبع ” من تعبيره ، ولا بد من هذا السؤال في التعريف بشاعر مشهور بلغ بالشهرة غاية مداها في القرن الرابع للهجرة بعد أيام ” ابن المعتز ” و” مسلم بن الوليد ” وأبي تمام ” وهو من قراء شعره وجامعي ديوانه كما قيل ، فقد يكون هوى الفن المصنوع امتحاناً قوياً لذلك الطبع القوى ، وبياناً لما تستطيعه فتنة حلية البراقة من غواية المعدن الأصيل ، إذا تجاذبته القوتان في وقت واحد .

و” المتنبي ” لم يُعرض عن المحسنات البديعية ، ولكنه أخذ منها بالقسط الذي يأتي إليه طواعية ، لخدمة طبعه لا لتسخيره واستخدامه ، وأكثر ما كانت محسناته من قبيل التشريع والمقابلة والتعريف والتقسيم ، وهي من وسائل تحلية المعنى بالتوضيح والتبيين وقلما تذهب به مذهب التزويق والتنمق ، ومن أمثلتها وهي غير قليلة في شعره .

قوله :

فيا شوق ما أبقى ، ويالي من النوى    ويا دمع ما أجرى ، وياقلب ما أصْبى

أو قوله :

أزورهم وسواد الليل يشفع لي   وأنثنى وبياض الصبح يغري بي

أو قوله :

تملّكها الآتي تملك سالب    وفارقها الماضي فراق سليب

أو قوله :

بفرعٍ يعيد الليل والصبح نيّر    ووجه يعيد الصبح والليل مظلم

أو قوله :

نعجٌ محاجره ، دعجٌ نواظره    حُمرٌ غفائرُه ، سود غدائرُهُ

أو قوله :

شراكها كورها ، ومشفرها  زمامها ، والشموع مقودها

أو قوله :

بصارمي مرتد ، بمخبرتي   مجترئٌ ، بالظلام مشتمل

ومن محسناته ما يعد من يعد من قبيل الإدلال بالقدرة اللغوية كقوله الذي أراد أن يجمع فيه أكثر ما يجمع من الأفعال في بيت واحد :

عش ، آبق ، اسم ، قُد جُد   مُر ، انه ، اسْر ، فه تسل

عظ ، ارم صب ، احم ، آغز، اسب    رُع ، زَعْ  ، د ،ل ، آثن نل

وهذا دعاء لو سكت كُفيته   لأني سألت الله فيك وقد فعل

وقد يغرم أحياناً بتشبيهات كتشبيهات ابن المعز التي يكثر فيها من ذكر الجواهر والكواكب كما قال متغزلاً :

واستقبلت قمر السماء بوجهها   فأرتني القمرين في وقت معا

أو كما قال :

سفرت وبرقها الفراق بصفرة    سترت محاجرها ، ولم تكُ بُرقعا

فكأنّها – والدمع يقطرُ فوقها -    ذهبٌ بسمطي لؤلؤ قد رُصّعا

فإذا أضيفت هذه الحلية الفنية إلى المعدن الأصيل فهي في النهاية جلاء ، لما عنده من الحسن المطبوع وليست من قبيل الطلاء يمسح باليدين ، أو التمويه لا يجوز إلا بإغضاء من العينين .


[1] – القشاعم : جمع قشعم ، النسر الكبير

[2] – التميمة : تعويذة تعلق على المرضى والمجانين .

[3] – شيم : أي بارد

[4] – القطم : الشهوة

[5] – جمع ثغرة : وهي نقرة النحر بين الترقوتين .

[6] – تطلق الغلباء على ” تغلب ” قبيلة سيف الدولة

التعليقات مغلقة.