مفهوم “الأمن” في القرآن الكريم


 المصطلح في كتاب الله عز وجل هو ألفاظ هذا الدين، عليها المدار، والقرآن نفسه بيّنها في مواطن كثيرة، ورسول الله (ص) بيّنها أيضاً في مواطن كثيرة، والراسخون في العلم عبر القرون اجتهدوا أيضاً في بيانها في مواطن كثيرة، ولكن حال زماننا هذا بما هو عليه من قدر غير يسير من البعد عن كتاب الله عز وجل: بُعدٍ لغوي وبعدٍ إيماني وبعدٍ مفهومي وبعدٍ مصطلحي.. هذا البعد يجعل الاهتمام وتركيز الاهتمام على هذه الألفاظ اليوم من أوجب الواجبات، وهذه الألفاظ لا نستطيع اليوم أن نلج عالم القرآن وأن نتغلغل في أعماقه إلا بعد الاقتراب منها ومحاولة التمكُّن من مضامينها ومفاهيمها، وهي لا تتأثر بالعصور، فهي ثابتة في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله r، وإن هذا الكتاب يحمل معجمه ويحميه، فلو حاول المحاولون ما حاولوا أن يُحْدثوا التغيير في أي مفهوم لكتاب الله عز وجل، فلن يستطيعوا ذلك، وذلك من حفظ الله عز وجل لكتابه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9].

ومن تلك الألفاظ المهمة جدّاً في كتاب الله عز وجل -والتي نحتاج إلى فهمها وتبيّن المراد منها لنعرف كيف نكسب مضمونها ونتصف بمفهومها- لفظ (الأمن). وهذا اللفظ، حاجة البشرية إليه اليوم شديدة جدّاً، فالقلق والحيرة واضطراب الحال -حال القلوب خاصة- كلها مسيطرة على البشرية اليوم في كل مجال.. وذلك شيء طبيعي، لأن الشيء الذي به يسكن القلب البشري ويطمئن ويرتاح، والذي به تسعد الروح البشرية في هذه الدنيا وفي الآخرة أيضاً، ليس هو الذي له السيادة اليوم، وليس هو الذي منه تقتات البشرية، وإليه ترجع، فالمرجعية اليوم لغير كتاب الله عز وجل، بينما هو الروح -روح البشرية حقيقة- كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52].

فالقرآن هو الروح الذي يجمع هذه القطع المتناثرة من أمة الإسلام ليجعل منها -بإذن الله تعالى- جسداً واحداً له كل مظاهر الحياة التي أشار إليها رسول الله (ص) في الحديث الصحيح المشهور: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (رواه مسلم).

فبغير روح القرآن لا يكون هذا الجسد، ولن تجتمع هذه القطع في كيان واحد حيٍّ يرى ويسمع ويفقه.. بغير هذا القرآن لن تكون حياة، ولن يكون اجتماع، لنحظى برؤية الأمة من جديد، أمة الإسلام، فما أكثر الحواجز كما نرى اليوم بين أطرافها جغرافيّاً وتاريخيّاً ومذهبيّاً وفكريّاً وسلوكيّاً وغير ذلك، ولكن إذا وقع الاجتهاد لإعادة روح القرآن وإحلالها في كيان الإنسان في كل مكان من أرض الإسلام، فإن هذه القطع وهذه الأجزاء ستجتمع بإذن الله عز وجل ليتخلَّق منها جسد واحد حي له كل خصائص الحياة. وليحدث هذا فنحن بحاجة إلى أن نتبين المداخل إلى هذا القرآن الكريم. ومن تلك المداخل: مفهوم (الأمن) في كتاب الله عز وجل، وسننظر إليه من زوايا متعددة:

الأمن لا يقبل التبعيض:

مما يثير الانتباه في كتاب الله عز وجل أن لفظ (الأمن) لم يَرِدْ إلا في خمسة مواضع: ثلاثة منها ورد معرَّفاً في الصورة المطلقة، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83]، وقوله تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي الله وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 80-82]، ومرتين ورد منكَّراً، منها قوله تعالى: {وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} [النور:55].

وورد على غير الصورة الاسمية أضعاف ذلك سواء بصيغة الماضي أو صيغة المضارع أو بصيغة المشتق كاسم الفاعل المفرد أو الجمع. وقد ورد اللفظ بعدة أشكال لكنه لم يرد مقيداً بشيء لا بوصف ولا بإضافة، ومعنى ذلك أنه غير قابل للتبعيض، فالأمن شيء كلي شامل لا يقبل التبعيض، وهو نعمة يتنعم بها الناس إما أن تكون وإما أن لا تكون، ولا يمكن أن تكون مبعضة، بمعنى ينعمون بنوع من الأمن ولا ينعمون بأنواع أخرى ولا سيما بالنسبة لأهل الإيمان، لأن المنطق الذي يحكم دائرة الإيمان بعد سيدنا محمد (ص) هي دائرة التكليف ودائرة الشهادة على الناس، بينما الدائرة الأخرى ليست مكلفة، ولذلك إذا تمت الاستجابة للتكليف تكون النتائج والآثار الطيبة والثمرات والخيرات، وإذا لم تتم الاستجابة تكون العقوبات. بينما في دائرة غير الإيمان قد يتم التنعم الدنيوي حتى يرتحل الناس ولا يكون إشكال لأنهم ليسوا مكلفين بهذه الأمانة.

والأمر عندنا جميعاً واضح فلا نبي بعد محمد (ص)، وأمتُه من بعده هي حاملة للأمانة، ولذلك إذا لم تقم بها تحاسَب -أفراداً وأمة- حساباً عسيراً في الدنيا وفي الآخرة، والفسادُ الذي يحدث في غير المسلمين هو في الحقيقة بسبب تقصير المسلمين، لأن شرطة الأرض المنظمة للسير في الكرة الأرضية هي الأمة الإسلامية، هذا موقعها لا واقعها، ولكنها للأسف لم ترتق الآن إلى الموقع المراد لها، لذلك فإن مفهوم (الأمن) بالنسبة لهذه الأمة لا يتبعض؛ لأن مقره القلب كما سنرى في النظرة الموالية.

الأمن سكينة القلب:

إنّ تتبُّعنا لمفهوم (الأمن) يوصلنا إلى حقيقة مفادها أنه مستقِرٌّ في القلب، ومدار مادة (أمن) في اللسان العربي على سكينة يطمئن إليها القلب بعد اضطراب، وأنقل هاهنا قول الراغب الأصفهاني فإنه يكاد يكون جامعاً لما في غيره مع تدقيق، يقول رحمه الله: “أصل (الأمن): طمأنينة النفس وزوال الخوف… و(آمن) إنما يقال على وجهين: أحدهما متعدِّياً بنفسه، يقال: (آمنته) أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: (مؤمن). والثاني: غير متعدٍّ، ومعناه صار ذا أمن… والإيمان: هو التصديق الذي معه أمن”. كأن الإمام الراغب رحمه الله لا يتصور أن يكون هناك مؤمن وليس عنده أمن، أي سكينة واطمئنان، أي استقرار لا اهتزاز ولا اضطراب ولا قلق ولا حيرة، لأنه مطمئن إلى ربه: {أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28]. {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح:4].

فالمدار إذن على وجود سكينة في القلب في جميع ما دارت فيه المادة سواء في صورة (أمن) أو (آمن) المتعدِّي واللازم، المدارُ على هذه السكينة وعلى هذه الطمأنينة التي تأتي في حقيقتها بعد نوع من القلق والاضطراب، وتأتي بعد قدر من الخوف، وهذا الخوف عبر عنه بالخوف نفسه، وعبر عنه بالبأس، وعبر عنه بالفزع: {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل:89]، وعبر عنه بألفاظ أخرى غير هذه الألفاظ، ولكن مؤدّاها جميعاً هي أنها تُحْدِثُ لدى الإنسان ضرباً من الخوف، فإذا جاء الأمن أزال ذلك الخوف، هذا الأصل وهذا المدار الذي تدور عليه المادة يجعلنا ندرك أن الأمن في حقيقة معناه حال قلبية تجعل المتصف بها في الدنيا يرتاح ويطمئن، والموصوف بها في الآخرة يسعد سعادة أبدية.

هذه الحال هي نعمة من الله عز وجل، وإذا ربطنا الكلام ببعضه، فإننا نجد من أسماء الله الحسنى (المؤمن)، وقد فهم الراغب الأصفهاني -كما مر في نصه السابق- أن معنى اسم الله (المؤمن): الذي يمنح الأمن ويعطيه. فهذه الحال -التي هي نعمة من الله عز وجل- هو الذي يعطيها: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ . إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:1-4]، ومعنى: {آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} أي أعطاهم الأمن.

وللمكان طبيعته الخاصة، وسره الخاص، وقد وصف القرآن الكريم ذلك المكان في مواطن متعددة بأنه (آمِن): {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة:126]، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم:35]، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت:67]. ذلك سرٌّ جعله الله في ذلك المكان تفضُّلاً منه سبحانه، وإنا لنرى ذلك حتى الساعة، إذ كيف نفسر -على سبيل المثال- اندياح موجة الاستعمار الغربي على جميع ديار الإسلام -تقريباً- ولكن لم يحدث هذا الأمر بالنسبة للبلد الحرام، لا لأن تلك المنطقة كانت قوية، فعسر على الاستعمار أن يحتلها، ولكن هناك سر الله عز وجل في هذا الأمر، جعله آمناً: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97]. هذا شيء نراه عبر التاريخ، وهذه الملحوظة بالتحديد تلفت النظر بقوة، فالجزيرة تنقصت من أطرافها واحتلت شوائطها الشرقية وجنوبها وغربها وشمالها وبقي وسطها. والأمر كذلك بالنسبة للفُرس والروم زمن رسول الله (ص) وقبله، فالمكان له وضعيته وله حال خاصة هبة من الله تعالى لا تزال مستمرة، لكن بالنسبة للإنسان حصول تلك الحال مرتبط بأسباب وشروط. وهنا نقف في النظرة الثالثة على أسباب وجود الأمن وشروط استمراره.

الأمن ثمرة من ثمرات الإيمان:

السبب الأول لوجود الأمن في هذه الأمة -وهو شرط في نفس الوقت- هو الإيمان. والأمر في غاية الوضوح: هناك علاقة بين الإيمان والأمانة والأمن، وهذه الألفاظ الثلاثة تنتمي لنفس المادة. والأصل الذي يتفرع منه كل شيء هو الإيمان، والإيمان يعطي الأمانة ويعطي أداء الأمانة و”لا إيمان لمن لا أمانة له” (رواه الإمام أحمد)، والله أمر بأداء الأمانات وحرم خيانة الأمانات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا الله وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال:27]، وكل المسؤوليات أمانات، فما نسميه اليوم بالمسؤولية هو أمانة.

وهناك الأمانة العظمى التي أشارت إليها الآية الكريمة بالنسبة لآدم وبنيه (أي للإنسان) وهي قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب:72]. هذه أمانة الاستخلاف العامة، فالأمانة العامة هكذا على إطلاقها هي أمانة الاستخلاف في الأرض، فبنو آدم غيرُهم مسخَّر لهم، وكل ما سواهم يخدمهم، وهم عليهم أن يخدموا الله عز وجل وأن يعبدوا الله جل جلاله.

هذه الأمانة (أمانة الاستخلاف) تليها أمانة أخرى أعظم منها وهي أمانة (الشهادة على الناس) بالنسبة لهذه الأمة خاصة؛ لأن الأمم السابقة ما حمّلت تبليغ الدين فرضاً، نعم، كان نفلاً وكان مطلوباً من المسلمين قبل مجيء الرسول الخاتم، لأن جميع من مضى من المؤمنين كانوا مسلمين أنبياء وغير أنبياء، لكن لم يكونوا مكلفين فرضاً بالتبليغ إلا في هذه الأمة، فقد انتهى إرسال الرسل وانتهت النبوات، وصارت الأمة كلها مكلفة بما كان مكلفاً به رسول الله(ص). ولذلك جعلها الله في مستوى معين: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143]، هذه الأمانة إلى جانب الأمانة الأخرى، إنما تؤدى على حقيقتها بالإيمان، إذا وجد الإيمان أُدّيت، وإذا لم يوجد لا تؤدى، وهذه الأمانة على عمومها تحتها أمانات: فالصلاة أمانة والزكاة أمانة وتربية الأولاد أمانة… وكل تكليف من تكاليف الشرع أمانة من الأمانات، والله يأمر بأداء الأمانات بصفة عامة، وكلها مسؤوليات -بتعبير اليوم- يجب أن تؤدى، وإنما تؤدى على وجهها الصحيح بسبب الإيمان، فالهدف من الإيمان أن تؤدى الأمانات على أحسن وجه، وفي الحديث “لا إيمان لمن لا أمانة له” (رواه الإمام أحمد).

وعندما يوجد الإيمان وتؤدى الأمانة يأتي الأمر الثالث بصورة طبيعية وهو حال يجد المؤمنون أنفسهم فيها، قلباً وقالباً: قلباً من حيث ما يشعرون به هم من طمأنينة وسكينة وراحة بال، ويشعرون بالراحة الكاملة نتيجة الإيمان وأداء الأمانة (أو بالتعبير الآخر: الإيمان والعمل الصالح)، ومن حيث القالب يجدون ما يسمى بـ(السلم) -وهو نوع من الأمن-؛ فالأمن محله القلب أساساً، والصورة التي ينتجها ما في القلب في الخارج هي (السلام). فالأمن إذن نتيجة طيبة وليس فعلاً يمكن أن نفعله، وهو نعمة من الله عز وجل يتفضل بها علينا إذا آمنّا وهو الشرط الأول، وإذا عملنا الصالحات وهو الشرط الثاني، وذلك ما نص عليه الوعد السابق: {وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55]. فيأتي الأمن نتيجة ما سبق، ويأتي نتيجة أسباب معينة، ويأتي نتيجة حصول شروط معينة على رأسها الإيمان الصحيح والعمل الصالح، فإذا وجد هذا بالنسبة للفرد وبالنسبة للجماعة جاءت هذه النتيجة وإلا اختفت.

ولا بأس من الإشارة في هذا المقام إلى سبب آخر من أسباب الاستمرار تشير إليه الآية الأخرى في سورة النحل، قال عز وجل: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112]، حين اختفى الإيمان واختفى العمل الصالح واختفى الشكر وحل محله شيء آخر سماه القرآن: {كَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله}، وهذا الأمر سنفصل فيه الحديث بعد قليل عندما نتحدث عن موانع حصول الأمن، لكن هاهنا الإشارة إلى أن كفران النعمة يسلب نعمة الأمن، فالله عز وجل يعطي الأمن لكن عندما لا يقع الشكر على هذه النعمة فإنها تنقطع.

فالأمن يأتي بشروط محددة تفضُّلاً من الله على كل حال، ويأتي بالإيمان وبالعمل الصالح، لكن هل يستمر أو لا يستمر؟ والجواب عن ذلك هو أن الأمن يستمر بشكر النعمة وينقطع بكفران النعمة. وهنا نأتي إلى النظرة الأخرى التي هي في موانع الأمن، فما الذي يمنع الأمن أن يكون بالقلوب وفي الحالة العامة للأمة.

موانع الأمن:

من خلال آية سبأ يمكن أن نتلمس ثلاثة موانع هي تفصيل لكفران النعمة، ولا شك أن النعمة العظمى هي نعمة الأمن فيقع كفرانها، وفي سورة الحجرات يقول عز وجل: {وَلَكِنَّ الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات:7]. فهذه الأنواع الثلاثة كلها كفران لأنعم الله على رتب متفاوتة: الرتبة الأولى -والخطيرة-: هي رتبة الكفر الصراح، وتأتي بعدها رتبة ثانية خطيرة أيضاً ولكنها دون الأولى، وهي الخرق المستمر للطاعة ورفض الامتثال مطلقاً ليس إنكاراً لله عز وجل، فهناك إيمان واعتراف بوجود الله، ولكن صاحب هذا النوع يرفض طاعته نهائيّاً. ولو تأملنا حال كفر إبليس وإلى أي نوع من أنواع الكفر ينتمي، يتبين أنه من هذا النوع، قال عز وجل: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف:50]؛ أي رفض أن يطيع. لكن معصية آدم عليه السلام قبل أن يتوب الله عليه كانت من نوع آخر. قال عز وجل: {… وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى . ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 121-122]، فمعصيته نتيجة خطأ ونتيجة زلل، وكانت معصية عارضة فقط، وليس معها إصرار على رفض الطاعة مطلقاً، بينما معصية إبليس معها رفض لأصل الطاعة مطلقاً، فهي فسق والفسوق درجة عليا في المعصية، ولم يكن إبليس ينكر وجود الله عز وجل؛ بل بالعكس كان دائماً يعتبره ربه ويدعوه ويرجوه أن ينظره إلى يوم البعث، ولكنه رفض مبدأ الطاعة، وطعن في نفس الأمر وأنه ليست فيه حكمة: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ص:76]، فكيف يسجد له؟! هذا ليس بمنطق! وهذا ليس عدلاً! ولا ينبغي أن يكون الأمر هكذا! هذا تصرفٌ إبليسي متى حدث، لأنه يطعن في أسماء الله عز وجل وصفاته: في حكمته وعدله. هذا هو الفسوق، وهو أيضاً نوع خطير من كفران النعم كما بينت، ويأتي بعده العصيان وهو يكون ممن يطيع أحياناً ويعصي أحياناً، مع هذا إذا كانت المعصية موجودة فإنها كذلك تمنع -بقدر وجودها- حصولَ الأمن عند العاصي سواء كان فرداً أو جماعة أو أمة، ويصير مانعاً من حصول حال الأمن، وهذه النقطة في غاية الأهمية لأنها تشير تلقائيّاً إلى كيف نكتسب الأمن، وكيف نقي أنفسنا من خطر انعدام الأمن.

معيات الأمن:

إنه حين يوجد الأمن توجد أشياء أخرى معه، وترافقه خيرات وبركات وازدهار اقتصادي وحركة تجارية نشطة.. نجد آيات تتحدث عن هذا المعنى منها قوله تعالى: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} [النحل:112]، وقوله عز وجل: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [القصص:57]. واليوم نرى -على سبيل المثال- أن الأماكن التي يضطرب فيها الأمن يفر المقاولون الكبار بأموالهم منها، ولا يستثمرون فيها، بينما إذا حدث العكس فإنهم يطمئنون على أموالهم ويتحركون بأمان. فهذا الازدهار الاقتصادي والراحة النفسية التي تكون للناس، تجعلهم يمارسون حياتهم في اطمئنان كامل، آمنين على أموالهم وأعراضهم وأنفسهم ويقع السلم الاجتماعي العام.

إذن، هذه النعمة التي اسمها (الأمن) هي نعمة مشروط وجودها بوجود الإيمان وبوجود العمل الصالح، وترتفع تلقائيّاً إذا وجد العكس، إنه لا يتبعض، وهو في القلب. وحينما نقول: “في القلب”؛ فهو تلقائيّاً يمتد إلى باقي الجوارح وإلى جميع الجسد على القاعدة المشهورة التي أشار إليها رسول الله (ص) بقوله: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” (متفق عليه).

وما حدث في زماننا هذا، من الحديث عن أنواع كثيرة من الأمن، جعله كتاب الله عز وجل حالة واحدة إما أن تكون، وإما أن يكون عكسها وهو الخوف والفزع والقلق والاضطراب والحيرة والبأس..

فيمكن إذن أن نخلص إلى أمر عام هام هو أن هذه النعمة العظيمة التي هي الأمن، إذا أردنا أن ننعم بها حقيقة فإن علينا أن نتوب توبة نصوحاً أفراداً وجماعات في مختلف أقطار الأمة، أن نعود إلى القرآن، ونشتغل بما كان يشتغل به رسول الله (ص)، أي نمارس حياتنا في إطار شرع الله عز وجل..

إذا كان ذلك كذلك جاءت العزة بالاستخلاف في الأرض، وجاء ما يعقبها من التمكين في الأرض، وجاءت النعمة الكبيرة الأخيرة الثالثة وهي تبديل الخوف القائم الآن في جميع أنحاء الأمة الإسلامية، تبديل ذلك أمناً.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يكرمنا بهذه النعمة، ويكرمنا بأسباب وجودها، ويكرمنا بسبب استمرارها.

أ.د. الشاهد البوشيخي

 

أكتب تعليق