وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم


 هذا النص القرآني الكريم جاء في الخمس الأخير من سورة الأعراف.

من أقوال المفسرين

في تفسير قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف:172].

ذكر صاحب “الظلال” رحمه الله رحمه واسعة جزاء ما قدم كلاماً رائعاً يضيق الحيز المتاح هنا عن سرده، ولكن نختصره في الأسطر القليلة التالية:

إنها قضية الفطرة والعقيدة يعرضها السياق القرآني في صورة مشهد على طريقة القرآن الغالبة -وإنه لمشهد فريد- مشهد الذرية المكنونة في عالم الغيب السحيق، المستكنة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود، تؤخذ في قبضة الخالق المربي، فيسألها: {ألست بربكم}؟ فتعترف له سبحانه بالربوبية، وتُقِرُّ له سبحانه بالعبودية، وتشهد له سبحانه بالوحدانية، وهي منثورة كالذر، مجموعة في قبضة الخالق العظيم!! إنه مشهد كوني رائع باهر، لا تعرف اللغة له نظيراً في تصوراتها المأثورة!! وإنه لمشهد عجيب فريد حين يتملاه الخيال البشري جهد طاقته!! وحينما يتصور تلك الخلايا التي لا تحصى، وهي تجمع وتقبض، وهي تخاطَب خطاب العقلاء -بما ركب فيها من الخصائص المستكنة التي أودعها إياها الخالق المبدع- وهي تستجيب استجابة العقلاء، فتعترف وتقر وتشهد، ويؤخذ عليها الميثاق في الأصلاب!

وإن الكيان البشري ليرتعش من أعماقه وهو يتملى هذا المشهد الرائع الباهر الفريد، وهو يتمثل الذر السابح، وفي كل خلية حياة، وفي كل خلية استعداد كامن، وفي كل خلية كائن إنساني مكتمل الصفات ينتظر الإذن له بالنماء والظهور في الصورة المكنونة له في ضمير الوجود المجهول، ويقطع على نفسه العهد والميثاق قبل أن يبرز إلى حيز الوجود المعلوم!!

لقد عرض القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الباهر العجيب الفريد، لتلك الحقيقة الهائلة العميقة المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية وفي أعماق الوجود.. عرض القرآن هذا المشهد قبل قرابة أربعة عشر قرناً من الزمان، حيث لم يكن إنسان يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقائقها إلا الأوهام!! ثم يهتدي البشر بعد هذه القرون إلى طرف من هذه الحقائق وتلك الطبيعة، فإذا (العلم) يقرر أن الناسلات، وهي خلايا الوراثة التي تحفظ سجل (الإنسان)، وتكمن فيها خصائص الأفراد وهم بَعْدُ خلايا في الأصلاب.. أن هذه الناسلات التي تحفظ سجل البشر، وتكمن فيها خصائصهم كلها لا يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب، أو ما يساوي ملء قمع من أقماع الخياطة! كلمة لو قيلت للناس يومذاك لاتهموا قائلها بالجنون والخبال! وصدق الله العظيم: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}[فصلت:53].

أخرج ابن جرير وغيره -بإسناده- عن ابن عباس قال: “مسح ربك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة.. فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى”. وروي مرفوعاً وموقوفاً على ابن عباس، وقال ابن كثير: إن الموقوف أكثر وأثبت…

على أن هناك تفسيراً لهذا النص بأن هذا العهد الذي أخذه الله على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة.. فقد أنشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده.. أودع هذا فطرتهم فهي تنشأ عليه، حتى تنحرف عنه بفعل فاعل يفسد سواءها، ويميل بها عن فطرتها.

قال ابن كثير في التفسير: قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فَطْرُهم على التوحيد… وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك. قالوا: ولهذا قال: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} ولم يقل: من آدم.. {من ظهورهم} ولم يقل من ظهره.. {ذريتهم} أي جعل نسلهم جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن… ثم قال: {وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى!} أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له.. حالاً… فدل على أن الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد. ولهذا قال: {أن تقولوا} أي لئلا تقولوا {يوم القيامة إنا كنا عن هذا} أي التوحيد {غافلين}.

وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أرى حاجة لاستعراضه.

من الدلالات العلمية للنص الكريم

أولاً: في قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم}:

يدل هذا النص الكريم على أن الله تعالى قد وضع لبني آدم قانون التزاوج، وسنّ له مؤسسة الأسرة؛ من أجل إعمار الأرض إلى قيام الساعة، وجعل للوراثة قوانين ضابطة، وأجهزة، وأنسجة، وخلايا متخصصة.

ولما كان خلق كلٍّ من أبينا آدم عليه السلام وأمنا حواء عليها رضوان الله قد تم بمعجزة لا تستطيع المعارف المكتسبة تفسيرها؛ لأنها تمت بأمر من الله تعالى بـ(كن فيكون)، والمعجزات خوارق للقوانين والسنن الدنيوية فلا تستطيع العلوم المكتسبة تفسيرها.

ولما كانت قوانين الوراثة سنة من سنن الدنيا. قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} ولم يقل: من آدم، فإن جميع ذرية آدم عليه السلام من أول أبنائه وبناته وحتى قيام الساعة كانوا في صلبه لحظة خلقه، ثم أخرجهم الله تعالى من صلب هذا الإنسان الأول، وأشهدهم على حقيقة الربوبية لله الخالق، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا شريك له في ملكه، ولا منازع له في سلطانه، ولا شبيه له من خلقه، ولا حاجة لجلاله إلى الصاحبة والولد، فهذه حاجة المخلوقين، والخالق منزه عن جميع صفات خلقه، وعن كل وصف لا يليق بجلاله.

وبعد أن أقر جميع بني آدم -وهم في عالم الذر- بحقيقة الربوبية قالت الملائكة: {شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}. أو قال الخلق من بني آدم أجمعون: {بلى شهدنا}، وأكمل الملائكة بقية الآية الكريمة.

والذي يفهم معنى الألوهية يدرك أن الله تعالى قادر على كل شيء، وأن أمره {إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس:82].

ثانياً: في قوله تعالى: {من ظهورهم ذريتهم}:

ثبت علميّاً أن غدد التناسل في كلٍّ من الذكر والأنثى تنبت أول ما تنبت في موضع محدد بين العمود الفقري وضلوع القفص الصدري لجنين الإنسان، وذلك قبل نزول تلك الغدد إلى مواضعها المخصصة لها من جسم الجنين، وتبقى هذه الغدد تتغذى بالدم والأعصاب من نفس مواضع نشأتها، فكأن جميع خلايا التناسل التي تتخلق في تلك الغدد قد تخلقت أصلاً من مواضع نشأة تلك الغدد، ولذلك قال تعالى في سورة الطارق: {فلينظر الإنسان مم خلق . خلق من ماء دافق . يخرج من بين الصلب والترائب} [الطارق: 5-7].

وقال في النص الذي نحن بصدده من سورة الأعراف: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف:172].

وهذا سبق علمي لجميع المعارف المكتسبة بأكثر من اثني عشر قرناً، فلم يتوصل الإنسان إلى معرفة قوانين الوراثة إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حين توصل مندل (Gregor J.Mendel . 1869) إلى معرفة أن الصفات الوراثية تنتقل من الآباء إلى الأبناء في الكائنات الحية التي تتكاثر بالتزاوج عبر عدد من العوامل المتناهية في ضآلة الحجم، والتي عرفت فيما بعد باسم “المورثات” (Genes)، يتقاسم الوالدان إضافتها إلى جنينهما في كل مرة ينجبان.

ثم أثبت (مورجان) في أوائل القرن العشرين (T.H. Morgan, 1926) أن المورثات هي أجزاء حقيقية من جسيمات خيطية متناهية الدقة تتواجد داخل نواة الخلية الحية، وتعرف باسم “الصبغيات” أو “الأجسام الصبغية” (Chromosomes)؛ وذلك لقدرتها على اكتساب لون الصبغة التي تصبغ بها الخلية الحية بدراستها أكثر من بقية أجزاء تلك الخلية. ومن خلال دراسته للصبيغات اكتشف (مورجان) الصبغي المختص بالتكاثر، واقترح عملية التخطيط الوراثي للكائنات الحية.

وباكتشاف دور الصبغي المختص بالتكاثر في تكوين الأجنة بعملية الإخصاب، وباحتواء خلايا التكاثر على نصف عدد الصبغيات التي تحملها الخلايا الجسدية تأكيد على سنة التزاوج والإنجاب من أجل إعمار الأرض بالأحياء إلى أن يشاء الله تعالى.

وبانقسام خلايا التكاثر على ملايين الخلايا في حياة الفرد الواحد من بني آدم، وبالعودة بهذا الانقسام إلى الوراء مع الزمن فإن الناس -الذين يملأون جنبات الأرض اليوم، والذين عاشوا من قبل عصرنا الراهن وماتوا، والذين سوف يأتون من بعدنا إلى قيام الساعة- يلتقون جميعاً في شيفرة وراثية واحدة كانت في صلب أبينا آدم عليه السلام، وهذه الشيفرة يطلق عليها علماء الأجنة اسم “بِركة الوراثة” (The Genetic Pool).

وهذه البركة الوراثية الأولى توزعت -بمشيئة الله وعلمه وقدرته- بين أبوينا آدم وحواء عليهما السلام، ثم بين أبنائهما إلى يوم الدين، ولذلك قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف:172].

ويؤكد ذلك تشابه التركيب الكيميائي للحمض النووي الريبي منزوع الأكسجين (Deoxyribonucleic Acid or DNA) الذي تنبني منه الصبغيات وتكتب به الشيفرة الوراثية بنسبة (99.9%) في جميع البشر، واختلافهم في (0.01%) فقط.

ومن طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق أن يعطي الخالق سبحانه لكل فرد من بني آدم بصمة وراثية خاصة به، تميزه عن غيره، من هذا القدر الضئيل جدّاً من الاختلاف في تركيب الحمض النووي الريبي غير المؤكسد.

ومن طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق كذلك أن يتكون جزيئ الحمض النووي الريبي غير المؤكسد من لفائف متناهية الدقة في الحجم وفي روعة البناء، حيث تترتب جزئياته على هيئة سلسلتين ملتحمتين في الوسط تتكونان من أربعة قواعد نيتروجينية فقط على هيئة سلميات ترتكز على جدارين من جزيئات السكر والفوسفات.

وتلتف السلسلتان حول محور وهمي على هيئة حلزونية مطوية طيّاً شديداً تعرف باسم “الرقائق الحلزونية المزدوجة للحمض النووي الريبي منزوع الأكسجين” (Double Helix DNA Strands)، ويبلغ قطر هذا الحلزون واحد من نصف المليون من المليمتر، ويبلغ حجمه وهو مكدس على ذاته واحداً من المليون من المليمتر المكعب، ويبلغ سمك جداره واحداً من خمسين مليوناً من الملمتر.

ثالثاً: في قوله تعالى: {وأشهدهم على أنفسهم}:

هذا الحمض الذي تكتب به الشيفرة الوراثية -والذي يكوّن الصبغيات- أعطاه الخالق سبحانه القدرة على الانقسام لتكرار ذاته، ولو عدنا بهذا الانقسام إلى الوراء مع الزمن فلا بد من التقاء جميع الشيفرات الوراثية لبني آدم قاطبة إلى قيام الساعة في شيفرة وراثية واحدة كانت في صلب أبينا آدم عليه السلام لحظة خلقه، ثم وزعها الله تعالى بينه وبين زوجه أمنا حواء، وتوزعت الشيفرات الوراثية بعد ذلك بين بنى آدم إلى يوم الدين.

وعلى ذلك فإن خلق كل فرد منا مقدر سلفاً في نطفتين إحداهما من أبيه والأخرى من أمه، وأن هذا التقدير يمتد ماضياً ليتصل بالشيفرات الوراثية للأجداد والجدات حتى يصل إلى أبوينا آدم وحواء، كما يمتد مستقبلاً إلى أن يشاء الله تعالى.

وهذا يعني أن كل فرد من بني آدم كان موجوداً في الشيفرة الوراثية لهذا الإنسان الأول لحظة خلقه، وأن الله تعالى قد أشهده على حقيقة تفرد الخالق سبحانه بالربوبية والألوهية والخالقية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه، وقد شهد بذلك، وشهدت عليه الملائكة.

وهذه الشيفرة المبرمجة بدقة بالغة، وإحكام فائق، والمطوية في داخل نواة الخلية الحية بحجم لا يدرك بالعين المجردة، سواء كان ذلك في النطفة الذكرية (الحيمن) أو في النطفة الأنثوية (البييضة) وقد خص الخالق سبحانه كلاًّ منهما بنصف عدد الصبغيات المحدد لنوع الإنسان، وذلك حتى يكتمل عدد الصبغيات بالتقاء النطفتين في النطفة الأمشاج (أي المختلطة)، فتأتي الأجنة على قدر من التشابه والاختلاف مع كلٍّ من الأبوين وأسلافهما إلى أبوينا آدم وحواء، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}.

وتأتي المعارف المكتسبة في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه لتؤكد على أن كل شيء في هذا الوجود من مختلف صور المادة والطاقة؛ من الغازات، والسوائل، والجوامد، ومن الأحياء النباتية والحيوانية والإنسية له قدر من الوعي والإدراك والذاكرة والشعور بالانفعال والتعبير، وقد تحقق ذلك في تجارب الماء، كما أثبت الياباني ماسارو إيموتو (Massaru Emmotto)، وفي حالات كلٍّ من النبات والحيوان، كما أثبت علماء سلوك الأحياء (Plant and Animal Behaviour).

وقد سبق القرآن الكريم كل هؤلاء بقول ربنا تبارك وتعالى عن ذاته العلية: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً} [الإسراء:44].

وعلى ذلك فإن أخذ العهد على جميع بني آدم وهم في عالم الذر بالإيمان بربوبية الخالق سبحانه وألوهيته وخالقيته ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه قد تم كما أخبر عنه الله تعالى في النص القرآني الكريم الذي نحن بصدده، ولا يجوز تأويله إلى غير ذلك مما ذهب عدد من المفسرين، لأن الله تعالى على كل شيء قدير، ولذلك قال -وقوله الحق-: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف:172].

الأستاذ الدكتور زغلول النجار

 

أكتب تعليق