الأداء الصوتي لآيات القرآن والأثر النفسي


 تتعدد طرق أداء الكلام بتعدد أغراضه، وهو ما يعرف عند علماء الصوتيات بالتنغيم (Intonation)، ولا يخفى أثره في الوقوف على كثير من المعاني؛ فهو من الحديث بمثابة علامات الترقيم من الكلام المكتوب، يعين المستمع على فهم المراد، كما أن علامات الترقيم تعتبر عوناً للقارئ في الوقوف على المعنى المراد، فالأداء الصوتي للاستفهام يختلف عن الأداء الصوتي للتعبير عن التعجب، وهما غير التعبير عن النداء، وكذا الأمر بالنسبة لبقية أغراض الكلام من دعاء وثناء ونقل أخبار وغير ذلك(1). ومن الأمثلة على ذلك كلمة (نعم)؛ حيث يستخدمها المرء فتكون تارة جواباً لسؤال، وتارة استفهاماً، وتارة تعجباً، في حين تكون بمعنى: أنا مستمع منصت، وأحياناً بمعنى: احتمال أو من الممكن، أو نعم (بكل تأكيد)(2).

كم نسمع لآيات القرآن تتلى، لكن كم مرة نجد أنفسنا نتأثر بها؟ في كل يوم نصلي ثلاثة فروض صلاة جهرية، لو سألنا عن السر في عدم التفاعل مع آيات القرآن في كثير من الأحيان نجده يكمن غالباً في أسلوب الأداء: فمنه الرتيب المملُّ الذي نسمعه من بعض الناس يقرأون السورة من أولها إلى آخرها بنبرة واحدة لا يختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح… نبرة واحدة -كما يصفها بعض المحدثين(3)- رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطح فيها العبارات.

لا شك أن من معاني الترتيل المطلوب أداؤه: مراعاة أغراض الكلام الذي في ضوئه تتفاوت نبرات الصوت انخفاضاً وارتفاعاً وتغيراً في سياق الكلام، إذ لا يمكن إعطاء حق الترتيل إلا بتغير النبر؛ ذلك أن هذا التنغيم الحاصل من ارتفاع الصوت وانخفاضه ينتقل بالأذهان إلى المعاني المرادة من الكلام، ويكون له دور كبير في التوازن الصوتي للآذان.

وقد أودع الله في النفس الإنسانية طبيعة تأنف الكلام الذي يسير على وتيرة واحدة ونبرة ثابتة مستقرة، نفس جبلت على حب التنوع.

واختلاف النبر -عدا عن كونه يعطي لوناً متوازناً من الإيقاع الصوتي تترنم به الآذان- يشد نفس القارئ والسامع معاً إلى الحديث، وينبه الأذهان إلى المراد، كما يترك أثراً في نفس المستمع والقارئ -على حد سواء- يمكن أن يوصف بأنه (الراحة النفسية).

هذه صفة بارزة في كل آية من كتاب الله، فما من آية إلا ونجدها حَوت أكثر من غرض في الحديث، فإن أُتقن الترتيل كانت النفس مشدودة إلى سماعه، متأملة في معانيه.

كم هو مهم وضروري لقارئ القرآن أن يكون ملمّاً بطريقة الأداء الصوتي (Sound change)!

إن أداء الترتيل فنٌّ لا يجيده إلا من كان عالماً باللغة، فاهماً مدركاً للمعاني، خبيراً بمواطن الوقف والابتداء، عالماً بالقراءة وأصولها، وما أحوجنا إلى هذا الصنف من القرّاء! إذ بعض من نسمع لهم ممن جمعوا هذه الصفات يوصلون إلى أذهان السامعين معاني الآيات ويفسّرونها بمجرد الأداء المتقن فتكون قراءتهم بمثابة القيام بمهمة تفسير الآيات.

وكم من آيات نمرّ عنها ونقرؤها مرات ومرات لا ندرك من معانيها ما ندركه حين نسمعها من متقن، عارف بمواطن الوقف والابتداء ومواطن خفض الصوت ورفعه! ولعل بعض الأمثلة من القرآن توضح المقال أكثر:

اعتدتُ منذ الصغر على قراءة الآية التالية: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي…} [يوسف:108]، هكذا مقطعاً واحداً بلا توقف… حتى سمعتها ذات يوم من قارئ يقف عند لفظ الجلالة من قوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ}، ويبتدئ بما بعده: {عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}، فأضافت لي معنى جديداً لم أكن أعرفه من قبل، ومثلها قوله تعالى: {تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:22]، على صيغة الاستفهام في قوله: {تَمُنُّهَا عَلَيَّ}؟ ومثلها قوله تعالى: {فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص:35]، بالوقوف عند قوله: {إِلَيْكُما}، ثم الاستئناف بقوله: {بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}.

ومثل ذلك من الآيات كثير لم أفقه معانيها إلا بعد سماعها من متقن لقراءة القرآن، وأنا على يقين من أن تجارب مماثلة تمرّ بالقارئ ربما يستحضرها لحظة القراءة، وهذا يؤكد الدور الذي يتركه الأداء الصوتي المطلوب أثناء التلاوة، أو ما يمكن أن نطلق عليه: التنغيم (Intonation) الذي يمكن القول عنه بأنه (موسيقى الكلام) (Musical Sound)(4)، أو هو “الإطار الصوتي الذي تقال به الجملة في السياق”(5)، فهذا التنغيم يعتمده المتحدث في حديثه مع الآخرين وهو معروف لدى جميع اللغات، إذ يحتاج إليه كل إنسان في أثناء حديثه مع الآخرين ولولاه لما استطاع المرء الوقوف على مراد المتكلم.

النبر إذن هو الذي يترجم لنا المواقف الانفعالية التي تنطوي عليها النفس، فقد قيل في تعريفه: “ارتفاع الصوت وانخفاضه مراعاة للظروف المؤدى فيها”(6).

وبهذا يمكن إدراك الدور الذي يحمله هذا الأداء الصوتي، فلكل مقام مقال، وعليه يمكننا أن نفهم الوظيفة الدلالية المتمثلة في: “التفريق بين المعاني أولاً، ثم في إبراز المعاني النفسية ثانياً، إذ الكلمة تُنطَق بقالب نغمي معين فيكون لها معنى، وإذا ما تم نطقها بقالب نغمي آخر كان لها معنىً آخر، وهذا هو النظام الشائع في اللغات النغمية”(7)، أما القيمة الصوتية لهذا الأداء  فمنشؤها: التغير في نسبة ذبذبة الوترين الصوتيين “نتيجة هذا الارتفاع والانخفاض في الصوت حيث تُحدِث هذه الحركات (نغمة موسيقية)، وعليه فالتنغيم يدل على العنصر الموسيقي في الكلام”(8).

“وقد كان لعلماء المسلمين اهتمام بالتنغيم في جانب القرآن الكريم، ويدل على ذلك وجود بعض المصنفات التي تتعلق بهذا”(9)، كما يدل عليه إشارات الذين تحدثوا عن التجويد وقواعده، كمقولة ابن الجزري: “ولقد أدركنا من شيوخنا من لم يكن له حسن صوت، ولا معرفة بالألحان، إلاّ أنه كان جيد الأداء قيماً باللفظ، فكان إذا قرأ أطرب السامع، وأخذ من القلوب بالمجامع، وكان الخلق يزدحمون عليه، ويجتمعون على الاستماع إليه”(10).

كما نجد أن علماء اللغة(11) أشاروا إلى أهمية هذا التنغيم مبينين دوره في الكلام؛ إذ يمكن به أن يستغنى عن الصفة، وأحياناً عن أدوات التعجب وأدوات الاستفهام، فيكون الاعتماد أولاً وآخراً على طريقة الكلام. كما أشاروا إلى أهمية التنغيم ودوره الإيقاعي؛ حيث قالوا بتنوع معاني الجمل وتعددها ما بين إثبات ونفي وتأكيد وتعجب واستفهام… لكل جملة من هذه الجمل قالب تنغيمي ونمط أدائي خاص لا تشاركها فيه جملة أخرى، وهذا النمط يجب اتباعه ومراعاته في النطق بكل جملة وإلاّ عُدّ المتكلم لاحناً، وكان شأنه شأن من رفع المفعول ونصب الفاعل؛ فالخروج بالجملة عن قالبها التنغيمي كالخروج على قواعد النحو، ومن هنا فالتنغيم يمثل خاصية من خصائص اللغة وسمة من سماتها(12).

والعرب كثيراً ما كانوا يعتمدون على الأداء في إفادة المعنى وإبانة الغرض، وقد فطن لهذا ابن جني حيث قال: “أهل هذه اللغة قد يصلون إلى إبانة أغراضهم بما يصحبونه في الكلام فيما تقدم مثله أو يتأخر بعده وبما تدل عليه الحال؛ فإن لها في إفادة المعنى تأثيراً كبيراً”(13).

ومن طريف ما روي من الحوادث التي تؤكد دور التنغيم في الوقوف على المعنى ما روي عن اليزيدي حين سأل الكسائي بحضرة الرشيد(14)، فقال: انظر‍‍‍‍! في الشعر عيب؟ وأنشده:

لا يكون العير مهراً                    لا يكون المهرُ مهرُ

فقال الكسائي: قد أقوى الشاعر، فقال له اليزيدي: انظر فيه. فقال: أقوى، لا بد أن ينصب المهر الثاني على أنه خبر كان، فضرب اليزيدي بقلنسوته على الأرض، وقال: أنا أبو محمد، الشعر صواب، إنما ابتدأ فقال: المهر المهر، فقال له: يحيي بن خالد: أتتكنى بحضرة أمير المؤمنين وتكشف رأسك؟! والله لخطأ الكسائي مع أدبه أحب إلينا من صوابك مع سوء فعلك، فقال: لذة الغلبة أنستني من هذا ما أحسن إليك”. فانظر هذه الحادثة تجد أن التنغيم وحده هو الحكم والفيصل في الوقوف على صواب المعنى، فحمل الوقوف على”لا يكون”. أما الابتداء فبلفظ” المهر المهر”.

تبين بهذا أن المتكلم يمكنه بهذا النبر أن يجسّد معانيه النفسية التي يريد إيصالها إلى غيره فيلجأ إلى تكثيف الصوت على الكلمة التي هي موضع إسقاط الصوت، وقد يصبح النبر نداءً نفسيّاً يجمل كل معاني الكلام(15).

نماذج قرآنية يبرز فيها دور التنغيم:

فيما يخص الاستفهام قوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ} [السجدة:18]، في هذه الآية واضح تماماً أن النبر له دور كبير في بيان المعنى، إذ لا بد من قارئ الآية الكريمة أن يخرج صوته على صيغة الاستفهام وأن يكون وقوفه على رأس كلمة: {فَاسِقاً}، ثم يبتدئ بقوله: {لا يَسْتَوُون}، والقراءة بغير هذا لا تقف بالمستمع على المعنى كما لو قرأ بالوجه الذي أشير إليه آنفاً. وهنا يلاحظ ارتفاع الصوت وانخفاضه الذي يؤدي وظيفة التعجب والإنكار المستفادة من الاستفهام، ويأتي قوله: {لا يَسْتَوُونَ} بمثابة الجواب السريع.

قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} [الأنعام:46]، ومثلها قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [القصص: 71 –72]. انظر كيف يكون الصوت إلى ما قبل الاستفهام {مَنْ} ثم بعده ارتفاع الصوت وتغير النغم الذي يشعر بالاستفهام(16).

وهناك مجموعة من الآيات ذكر فيها استفهام(17)، ولعل في الآيات التي حذفت منها أدوات الاستفهام ما يكون أقوى دلالة على أهمية النغم، إذ النغم وحده هو الحكم، حيث يطلق عليه: نبر انفعالي (Emotional Stress)، من ذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:22]، كأنما كان: “أوتلك نعمة؟”(18).

ومنه قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد:15]؛ أي: أمثل الجنة التي وعد المتقون… كمن هو خالد؟! وهذا المعنى لا يتأتى إلاّ بالنغم.

وخلاصة ما نريد قوله: إن النغم وحده في بعض المواقع هو الذي يكون حكماً، وهو الذي يطلعنا على المعنى إن كان استفهاماً أو شرطاً أو شيئاً محذوفاً أو غير ذلك.

والنغم تارة يكون نغماً أفقيّاً وهو النغم الذي يتبعه سكتة خفيفة، وهنالك نغم هابط، وهو الذي يدل على انتهاء الكلام.

ومن باب التنغيم النداء، كما في الآية: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ…} [يوسف:29]، فكم هو دور النغم في الآية ليعطي المعنى! إذ المقطع الأول خطاب لرجل والثاني لامرأة، فالنغم وحده هو الذي يفصل بين الخطابين، وانظر كيف خلا المقطع الأول من أداة النداء والذي يدل عليه فقط هو النغم.

ويذكر أن إطالة النطق بالأصوات في باب الندبة هو من التنغيم أيضاً، وهو ما أشار إليه ابن جني حيث قال ممثلاً بقوله: {يآ أَسَفَى…} من قوله تعالى على لسان يعقوب u: {يَآ أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف:84]: “هو لإعلام السامع وإيقافه على مدى التفجع والتحسر على المندوب”(19).

كما يعدّ من باب التنغيم الإطالة في باب الإنكار لغرض الإنكار والتعجب، ومن ذلك قول قوم إبراهيم: {أأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:62]، فالهمز يقرأ عند بعض القراء بالمد(20).

وهناك الكثير من الشواهد التي يتغير المعنى فيها إذا أغفل النغم الصحيح الذي يناسب الكلمة ولم يبرز فيها دور النبر في أداء المعنى غير ما تقدم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} [الكهف:29]، انظر كيف يمكن للنبر أن يغيِّر المعنى من كون لفظة {الحق} مصدراً إلى كونها فعل أمر من اللحاق: “وقل إلْحَقْ”!

وقوله تعالى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللّهِ} [النمل:60]، لا يفهم المعنى إلاّ إذا كان النطق معبِّراً عن صيغة الاستفهام؛ وعليه فالنبر يكون متغيراً، ولا يستقيم بحال أن ينطق بالعبارة كما تنطق الجملة الخبرية، وكذا الأمر بالنسبة لبقية مواضع الاستفهام، وبقية أغراض الكلام إذ لا بد من مراعاتها.

وقد يكون رسم الكلمة واحداً، إلا أن النطق يختلف مثل: (ألم) و(ألف لام ميم) الأحرف المقطعة، و(ألم) على اعتبار الهمزة للاستفهام، و(الألم) من الإيلام؛ فالنبر وحده هو الذي يحل الإشكال.

ومن الأمثلة التي تُظهر دور التنغيم: هاء الكناية عند الوقوف عليه. انظر قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} [يوسف:24]، لو أردنا الوقوف على الهاء من كلمة (به) لا بد من أن تكون النغمة صاعدة عند النطق بالباء لتظهر الهاء، وإلاّ لتغير المعنى واختل النظم، خاصة وأن تمام الآية يقتضي هذا التوازن الإيقاعي: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}.

مما تقدم ندرك أن تحديد المعنى وتوضيحه أحياناً يتوقف على خواص صوتية لهذا الكلام المنطوق، ومن أهم هذه الخواص ما يعرف بـ(موسيقى الكلام)، تلك الموسيقى التي تلون النطق وتمنحه معاني متنوعة بحسب السياق والمقام(21).

كما تجدر الإشارة إلى أن تغيُّر النبر (الصوت) وتحويله ليناسب أغراض الكلام هو الرسالة التي توصل المعنى إلى المستمع. وقد نص بعض العلماء على ضرورة خفض الصوت في بعض المواطن، ومن ذلك قراءة: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً} [البقرة:116]، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة:64]، وقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ} [التوبة:30]؛ فخفض الصوت عند النطق به يؤدي للمستمع رسالة صوتية ونغمة موسيقية، وهي أن هذا الكلام إنما خرج ادعاءً وليس له أصل أو حقيقة. فانظر كيف كان لهذا التنغيم أكبر الأثر في بيان تلك المعاني.

من هنا ندرك الأثر النفسي الذي يتركه الأداء السليم للنبر في ألفاظ القرآن؛ فهو عدا عن كونه يقف على صواب المعاني، نجده ينقل القارئ نفسه إلى اليقظة والتنبه المستمرين والناشئين عن ارتفاع الصوت وانخفاضه والتراوح بينهما؛ ما يعطي بدوره حياة للنفوس وتجدداً، ويزيل عنها الملل والسآمة.

ويذكر أنّ بعض الذين تحدثوا عن المفارقة اللغوية(22) أشاروا إلى وجود ثلاثة أنواع للمفارقة وهي: مفارقة النغمة والمفارقة اللفظية والمفارقة البنائية.

والذي يعنينا منها النوع الأول، ويسمون هذه النغمة بالنغمة التهكمية (Sarcasm)، ويمثلون لهذا النوع بقوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان:49]، وتوضيح ذلك أن الآية مكونة من جملتين: الأولى فعلية: {ذُقْ}، والثانية اسمية: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}. أما الأولى فهي متلوة بوقفة قصيرة، ويلحظ أنها اشتملت على أعلى المستويات في النبرات (أي درجة الصوت فيها عالية)، وأما الثانية فتبدأ فيها النبرة عالية إلى أن تصبح منخفضة جدّاً في آخر الجملة.

وهكذا نجد أن نغمة الأمر في {ذُقْ} ينبغي أن تؤدى أداءً مختلفاً إذا ما قورنت بكلمة أخرى ورد فيها الأمر؛ كقوله تعالى: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ} [الدخان:47]، إذ الأمر في الآية السابقة منفصل عن الجملة التي تلي، بخلاف الآية الأخيرة التي هي جزء من الخطاب(23).

يشار إلى أن التنغيم هو أكثر ما يستخدم في اللغات للدلالة على المعاني الإضافية (كالتهكم والتأكيد والدهشة والغضب)، وهكذا يتلاءم التنغيم ليعبّر لنا عن المقام، وتمنح تموجاته النغمية دلالات نفسية وتجسّد حالات عاطفية لا تستطيع اللغة الهجائية التعبير عنها(24).

كما يلحظ أن عنصر المفاجأة يلعب دوراً رئيسيّاً في التمييز بين الحركات النغمية؛ فلفظة {ذق} ليس فيها حرف مد، وهذا بدوره له ملحظ نفسي؛ إذ النفس تفاجأ بهذا الأمر الغريب، وبخاصة أن هذا الفعل يستعمل -في العادة- لما طاب من الطعام، وهو هنا خرج مخرج السخرية.

وبعض الآيات التي يكون فيها النبر عالياً تقوم النبرة فيها في حقيقة الأمر بتصوير الحالة النفسية من تصوير لحدة الطبع وتعكير المزاج وانتفاخ الأوداج، ويمكن أن يمثل له بقوله تعالى على لسان قوم شعيب: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:87]، فلو دقَّقنا في المقطع الأخير: {إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}، سنجد أن مقاطع النبر فيه عالية، ويمكن وصفها بالآتي -حيث زيادة الحروف تعبر عن طول النطق-: (إنننننك لأنننننت الحليييييم الرشيييييد)، وهذا -كما يفسّره علماء الطبيعة (الفسيولوجيون)- سلوك حركي عضوي؛ ذلك أن المقطع المنبور نبراً عالياً ينطق مصحوباً بشد عضلي في مناطق أخرى (مثل: عضلات الفم والقفص الصدري)، هذه النبرة تزيد المفارقة سخرية، ويلحظ في هذا أنهم صوَّبوا نقيض ما وصفوه به إلى أنفسهم في الوقت الذي رغبوا فيه رميه بنقيض هذه الصفات(25).

 ولو سألنا علماء الصوتيات عن وصف الفم أثناء النطق بمقطع منبور؛ لكان الجواب كالآتي:

تنشط جميع أعضاء النطق المشتركة في نطق ذلك المقطع.

تنشط عضلات الرئتين بشكل مميز لدفع الهواء بنشاط أكبر.

تقوى حركات الوترين الصوتيين وتتسع الذبذبات ويتقارب الوتران أكثر في حالة الأصوات المجهورة.

يزداد نشاط الشفتين إذا اشتركتا في النطق.

تصبح حركة اللسان دقيقة محكمة لضمان وضوح مخارج الأصوات وعدم التباسها مع غيرها.

يزداد الجهد العضلي لأعضاء الكلام عامة(26).

وهذا أسلوب قرآني رائق؛ إذ النص القرآني يجعل التهكم بمن يراد التهكم به معلوماً ومدركاً لدى المستمع أو قارئ النص، في حين أنه يخفى على المتكلم نفسه، ويلاحظ هنا دور النغمة التهكمية في إبراز المعنى(27).

نخلص من هذا كله إلى أن كلاًّ من النبر والتنغيم لهما دور كبير في إبراز تلك الموسيقية التي بدورها تترك أثراً عظيماً في نفس المستمع. وههنا دعوة للمختصين باللغة والأصوات للاشتراك مع أهل التفسير ومعهم القراء المتقنون، ليتمكنوا من الإشراف على إخراج نموذج لقراءة من هذا النوع، فيفيد منها المسلمون، وبخاصة أن الوسائل الحديثة تعين على إصدار مثل هذا النوع؛ فتكون صوتية يراعى فيها حسن الأداء وقواعد النغم.

وبهذا يتبين لنا أهمية التنغيم في كتاب الله، والذي يمكن إجماله بالآتي:

لا يتأتى النطق الصحيح إلا بمراعاة النغم وتمثله، وبه يتضح المعنى ويفهم الغرض من الكلام.

يُعتمد عليه في توجيه الإعراب فيما ورد فيه أكثر من وجه إعرابي.

يجيء به الكلام مسبوقاً وفق مقتضيات الأحوال فلكل مقام مقال وقالب تنغيمي خاص(28).

بهذا ندرك السر في قول بعضهم: “وإنك لتخشع لسماع الآية بجرسها وموسيقاها حتى قبل أن تعيها وتفهم معناها، ومن ثم كان ترجمتها ضرباً من المحال”(29).

الهوامش:

1. النبر ثلاثة أنواع: نبرة الكلمة، ونبرة الجملة، والنبرة التقابلية. والنبر في السياق يختلف عن النبر في الأفراد؛ حيث تحكمه مطالب الإيقاع في السياق المتصل.

وقد تحدث بعض علماء الصوتيات عن موازين التنغيم، نجملها في الآتي:

- الإيجابي الهابط: ويستعمل في تأكيد الإثبات وتأكيد الاستفهام، وأدواته: كيف، أين، متى، وبقية الأدوات عدا الهمزة وهل.

- الإيجابي الصاعد: ويستعمل في تأكيد الاستفهام بـ(هل والهمزة).

- النسبي الهابط: ويستعمل في الإثبات غير المؤكد، كالكلام الجاري في التحية والنداء وتفصيل المعدودات.

- النسبي الصاعد: ويستعمل في الاستفهام بلا أداة أو بـ(هل والهمزة).

- السلبي الهابط: ويستعمل في الكلام الجاري في الأسف والتحسر والتسليم مع خفض الصوت، ومثاله قوله تعالى: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّه} [غافر:44].

- السلبي الصاعد: ويستعمل في التمني والعتاب مع نغمة ثابتة أعلى مما قبلها. انظر: حسان، تمام: مناهج البحث في اللغة، الدار البيضاء: دار الثقافة، د.ط، 1979م، ص198-200.

2. انظر مثلاً: مختار، عمر: دراسة الصوت اللغوي، القاهرة: عالم الكتب، ط2، 1981م، ص188.

3. محمود، مصطفى: القرآن محاولة لفهم عصري، القاهرة: دار المعارف، ط7، د.ت، ص13.

4. أنيس: الأصوات اللغوية، القاهرة: مكتبة الأنجلوالمصرية، ط4، 1984م، ص 175.

5. حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتب، ط3، 1985م، ص226.

6. انظر: الفيومي، أحمد عبد التواب: أبحاث في علم أصوات اللغة العربية، مصر: دار السعادة، ط1، 1412هـ- 1991م، ص186 وما بعدها، كما عرّفه بعضهم بأنه: “عبارة عن جملة من العادات الأدائية المناسبة للمواقف المختلفة من تعجب وسخرية واستفهام وتأكيد وتحذير وغير ذلك من المواقف الانفعالية”. برتيل مالميرج: علم الأصوات، تعريب: عبد الصبور شاهين، القاهرة: مكتبة الشباب، د.ط،ت، ص209.

7. الغريب، أحمد أبو اليزيد علي: التنغيم في إطار النظام النحوي، السعودية: مجلة جامعة أم القرى، س10، ع14، 1417هـ- 1996م، ص286.

8. انظر: الغريب: التنغيم في إطار النظام النحوي، مجلة جامعة أم القرى، ص287.

9. مثل: قراءة القرآن على طريقة المخاطبة، أبوعبدالله الأصفهاني ت (242هـ).

10. ابن الجرزي، أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي ت (833هـ): النشر في القراءات العشر، تصحيح ومراجعة: علي محمد الضباع، بيروت: دار الكتب العلمية، د.ط.ت، 1/ 212.

11. ابن جني: الخصائص، 2/ 370-371، كما نجد إشارات في كلام سيبوبه والأشموني وغيرهم.

12. الفيومي، أحمد: أبحاث في علم أصوات اللغة العربية، ص186.

13. ابن جني: المنصف في شرح التصريف للمازني، 1/ 2-4 و154.

14. انظر: الأصفهاني، أبو الفرج: الأغاني، تح: سمير جابر، بيروت، دار الفكر، ط2، د.ت، 20/242.

15. أبو السعد: الأداء النفسي، ص427.

16. من ذلك قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام:89]، وقوله: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء:8]، وقوله: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ}[الزمر:43].

17. كقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [البقرة:6]، وقوله: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [الأعراف:53].

18. قال به الأخفش الأوسط ت (210هـ)، وأيده ابن مالك فيما ذهب إليه. انظر: استيتية، سمير: الشرط والاستفهام في الأساليب العربية، دبي: دار القلم، ط1، 1416هـ-1995م، ص99.

19. انظر: الفيومي، أحمد: أبحاث في علم أصوات اللغة العربية، ص197.

20. فهي على قراءة نافع على تفصيل؛ فعلى حين يقرؤها ورش في أحد وجهي القراءة بالمد مع تسهيل الهمزة الثانية يقرؤها قالون بإدخال ألف بينهما مع تسهيل الثانية. انظر: شكري، أحمد خالد: قراءة الإمام نافع من روايتي قالون وورش، عمان: دار الفرقان، ط1، 1417هـ-1996م، ص 42-43.

21. الغريب: التنغيم في إطار النظام النحوي، مجلة جامعة أم القرى، ص319.

22. المقصود بالمفارقة: “صيغة من التعبير تفترض من المخاطب ازدواجية الاستماع؛ بحيث يدرك المخاطب أن المعنى المتبادر من السياق لا ينبغي أن يؤخذ على سطحيته”. انظر:  محمد العبد: المفارقة القرآنية، ص15.

23. محمد العبد: المفارقة القرآنية، ص 56-60، بتصرف.

24. أبو السعد: الأداء النفسي، ص 431-432.

25. انظر: محمد العبد: المفارقة القرآنية، ص 144-145.

26. الخولي، محمد علي: الأصوات اللغوية، الرياض: مكتبة الخريجي، ط1، 1987م، ص160.

27. للمزيد انظر: حفني، عبد الحليم: التصوير الساخر في القرآن الكريم، القاهرة: الهيئة العامة المصرية، د.ط، 1992م.

28. للمزيد انظر: الفيومي، أحمد: أبحاث في علم أصوات اللغة، ص187.

29. محمود: القرآن محاولة لفهم عصري، ص9. ويسميها بـ(الموسيقى الباطنة)، ويعني بها تلك الأنغام التي تصل إلى السمع دون أن يعرف معناها، يكون لها موسيقى معينة،  أما ما كانت موسيقاه تصل إلى السمع من خارج العبارة كانت موسيقاه خارجية، ويعتبرها بعضهم سرّاً من أسرار المعمار القرآني. ثم يقول: “كل عبارة بنيان موسيقي قائم بذاته تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات ومن ورائها ومن بينها بطريقة محيرة لا تدري كيف تتم، وليست الموسيقى وحدها هي التي انفردت بها العبارة القرآنية وإنما مع الموسيقى صفة أخرى هي الجلال”.

د. عبدالله الجيوسي

 

أكتب تعليق