الحوار ورسم الشخصية في القصص القرآني


الكتاب السادس:

تأليف: د. عبد المرضي زكريا

ط1، القاهرة، مكتبة زهراء الشرق، 1997م

الحوار ورسم الشخصية في القصص القرآني / د. عبد المرضي زكريا

تعريف عام بالكتاب:

يقع الكتاب في خمس وستين صفحة ومائتين، وتمهيد استغرق خمساً وعشرين من الصفحات، ويقع في بابين. كل باب أربعة فصول، وخاتمة في ثماني صفحات.

لغة الكتاب جيدة وهو فني متخصص، فيه جدة وعمق، ليس تكراراً للموجود -وندر الذي لا يعيد إنتاج الموجود-.

كتب مقدمة الكتاب الأستاذ الدكتور سعد دعبيس، الأستاذ بقسم اللغة العربية. ومما جاء في المقدمة قوله: “تكاد القصة تستأثر بالأدب المنثور كله. ومنذ بدأت الإنسانية تصور تاريخها قصصاً شعرياً ملحمياً لدى هوميروس وغيره حتى الآن، والإنسان يلجأ إلى القصة ليصور فيها رؤيته للحياة والموت، وموقفه من أحداث المجتمع وقضايا العالم”. ثم ذكر قصصاً كان لها دور حاسم في تاريخ التطور الفكري العالمي؛ ومن ذلك: الحرب والسلام لتولستوي، واميل لجان جاك روسو، والكوميديا الإنسانية لبلزاك، والأخوة الأعداء لدوستويفسكي.

ثم ينتقل إلى الكتاب الذي يقدم له فيبرز من وجوه أهميته أنه محاولة لإنصاف قضية الفن في الإسلام، إذ يرى بعض النقاد أن فن القصص فن أوروبي.

وننتقل إلى مقدمة المؤلف الذي يقول بدوره: “إن الطبيعة الإنسانية شغوفة بالقصص إلى حد كبير، وأن حياة الإنسان على الأرض قد بدأت بقصة. وأن خطوات الإنسان الأولى كانت مصحوبة بالقصة، ويشير إلى أن الأساطير التي عند الشعوب هي التي تَولّد عنها ما عرف بعد باسم القصة”.

وينقل عن المرحوم عبد الكريم الخطيب قوله في القصص القرآني: “لقد أصبحت الفنون كلها اليوم من وراء القصة”.

ونظراً لأهمية القصص فإن القرآن عوّل عليه، ثم يقول إنه في هذا البحث يريد أن يبين إلى أي حد كانت القصة القرآنية محللة للنفس الإنسانية، بكل سماتها وأبعادها كاشفة عن نزعاتها وما يدور في خلجات نفوس أصحابها، ويذكر أخوة يوسف، وفرعون،… الخ.

لقد صوّرت القصة القرآنية واقع الشخصية، كما رسمت واقع الحياة، ولقد اشتمل القصص القرآني على ما لم يشتمل عليه غيره من التشويق، على الرغم من قيامه على الحق المطلق، ومن ثم تعددت أغراض القصة القرآنية، وجاء مغزى القصة ملائماً للهدف العام للقرآن. وهذا الهدف هو إصلاح حياة الإنسان بكافة جوانبها… وبذلك تكون حياة الإنسان في الكون ذات مغزى، وتستقيم نظرته للحياة وفلسفته في الكون.

إن دراسة الحوار في القصة القرآنية، وبيان طرقه، والوقوف على نماذج حوارية، وتحليل هذه النماذج، وإبراز مهمة الحوار، وأثره النفسي، ثم إبراز أهم الخصائص الفنية التي يتميز بها حوار القصة القرآنية… كل هذا وغيره يمكّن من الوقوف على ما في قصص القرآن من إعجاز…

ودراسة الشخصية وأنماطها ونماذجها المختلفة، ثم أبعاد هذه الشخصيات، وكيفية رسم القرآن لشخصيات قصصه، وارتباط الشخصيات بعناصر القصة الأخرى كالأحداث، والمكان والزمان، كل ذلك يمكّن من الوقوف على طريقة القصص القرآني في رسم الشخصية، كما أن القصة كانت من أقوى الوسائل في الدعوة. كل ذلك جعل الكاتب يكتب في هذا الميدان.

ثم يبين بعد ذلك كيف امتزجت القصة في كتابات عدد من كتّابنا بالإسرائيليات؛ ويمثّل بابن جرير والثعلبي والخازن، وكتب التاريخ: كتاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير، وغيرها من كتب الأدب: كنهاية الأرب للنويري… كل ذلك عَلِق به إسرائيليات.

ثم عرج على من كتبوا بأسلوب شيق ونبهوا إلى الإسرائيليات، ومثّل بالرازي، وابن كثير والكشاف للزمخشري، والمنار، والظلال، ونوه بخاصة بالتصوير الفني والفصل القيم الذي تضمنه عن القصة في القرآن.

ثم أشار إلى الدراسات التي خصصت كتباً للقصة القرآنية كجاد المولى، والنجّار، وقطب والسحّار، وبرانق، وعبد الكريم الخطيب في كتابه “القصص القرآني في منطوقه ومفهومه” وقد التزم بالنهج الأدبي التذوقي. وذكر أطروحة خلف الله “الفن القصصي في القرآن”، وما أثارت من إشكالات. إلاّ أن الدراسات على كثرتها، يقول: “لم تحط بجزئيات البناء في القصة القرآنية، إلاّ أنها تلقي الضوء على بعض جوانب عظمة القرآن”.

وقد آن الأوان كما يرى الكاتب لمزيد من الدراسات والبحوث الأدبية والنفسية والاجتماعية التي تلقي بعض الضوء على القصة القرآنية… ثم يشير إلى الصعوبات التي واجهها أو واجهته، ومنها حجم المادة العلمية التي تضخمت وتنوع المصادر… الخ.

ثم يقول إنه اعتمد عدة مناهج في دراسته منها: التحليلي، ونبه إلى كثرة الاستشهاد وتجنب الإسرائيليات… وقال: “إنها علم لا ينفع وجهل لا يضر”. وينوه إلى أنه كان ينبغي أن ينوه من نقلوا هذه الإسرائيليات بتجريحها أو تضعيفها.

ثم يذكر أنه قسّم الدراسة إلى بابين: الأول: طرق الحوار في قصص القرآن. والفصل الأول من هذا الباب جعله للحوار بين اللغة والاصطلاح، والفصل الثاني للمغزى الديني للحوار في القصة القرآنية، والثالث: الحوار وأثره النفسي في القصة القرآنية، والرابع: السمات الفنية للحوار في قصص القرآن.

والباب الثاني بعنوان: أنماط الشخصية في القصة القرآنية. والفصل الأول: الأحداث، والثاني: رسم الشخصية، والثالث: النموذج بين الرجل والمرأة، والرابع: بين الخير والشر.

ثم يشكر الدكتور يوسف نوفل، والدكتور سعد دعبيس، والدكتور علي الحديدي، ثم في التمهيد يتكلم عن القصة في اللغة والاصطلاح؛ وفي اللغة ينقل عن ابن منظور في اللسان: قصصت الشيء: تتبعت أثره، شيئاً بعد شيء، ومنه: }وقالت لأخته قصّيه{. والقصة: الخبر، وتقصص الخبر تتبعه، وجمع بين المعنيين فقال: “القاص يقص القصص لاتباعه خبراً بعد خبر”.

أما مفهوم القصة عند أهل الأدب فهي ذلك الفن الذي يتميز عن غيره من الفنون الأدبية الأخرى بجملة من السمات والمميزات والخصائص، والشروط التي وضعها النقاد لهذا الفن الأدبي.

ومما تجدر الإشارة إليه أن القرآن قد تحدث عن الأخبار التي وقعت للأقوام والأمم السابقة في الماضي وسماها قصصاً. وتأسيساً على ما تقدم نلحظ أن الاستعمال القرآني لكلمة القصة يتفق تمام الاتفاق والاشتقاق اللغوي لأصل الكلمة، والذي لا يعدو أن يكون تتبع الأثر، ورواية الخبر، ويختلف الأصل الاشتقاقي اللغوي لكلمة القصة عن المفهوم الاصطلاحي المتعارف عليه في الآداب الإنسانية.

وإن من التعسف أن نساوي بين المصطلحين؛ وإذا كان القرآن قد استخدم المصطلح اللغوي للقصة فلا يجوز التسوية بين مصطلح القصة القرآنية، والقصة الفنية. ثم انتقل بعد التمهيد إلى الباب الأول وعنوانه كما مر: (الحوار في قصص القرآن الكريم) ويستغرق مائة صفحة بالتمام. والفصل الأول من هذا الباب بعنوان: (الحوار بين اللغة والاصطلاح)؛ واستغرق أربع عشرة صفحة.

ونبه في بداية الفصل إلى أن كلمة الحوار ترتبط بكلمتين أخريين هما: الجدل والمناقشة. ومنه انتقل إلى ما قال صاحب اللسان في مادة حور؛ فقال: الحوَر: الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، وحار إلى الشيء وعنه حَوراً ومحاراً ومحارة وحُوراً: رجع عنه وإليه. ويقال: الباطل في حور أي في رجوع. ويقال: كلمته فما رجع إلي حواراً ومحاورة وحويراً ومحورة أي جواباً. وأحار عليه جوابه: ردّه. واستحاره: استنطقه، والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة. أما الزمخشري في أساس البلاغة فقال: “حاورته: راجعته الكلام. وهو حسن الحوار. وكلمته فما ردّ علي محوراً، وما أحار جواباً”. ومنه قول الأخطل:

هلا ربعت فتسأل الأطلالا       ولقد سألت فما أحرن سؤالا

ومن المجاز: قلقت محاوره: إذا اضطربت أحواله، ويقال: وما يعيش فلان بأحور؛ أي بعقل صافٍ، ومنه قول عروة بن الورد:

وما أنس من شيء فلا أنس قولها    لجارتها ما إن يعيش بأحورا

ثم ينقل عن الدكتور شوقي ضيف في كتابه: (تجديد النحو)، معنى الجملة الحوارية فيقول: “هي الجملة المجاب بها في حوار قصصي، أو المردود بها على استفهام في كلام متصل ويكثر ذلك في القصص، وفي أساليبه عامة أثناء الحوار وهو واضح في سورة يوسف.

ثم يخلص ويلخص أن مادة حور في المعاجم تدور حول الرجوع والمراودة في الكلام. ومن ثم فإن المحاورة هي المراجعة في الكلام.

ثم ينتقل إلى معنى الجدل، ومعناه عند ابن منظور: شدة الفتل، ومنه: جدلت الحبل: فتلته فتلاً محكماً، والجدل: الصرْع -طعنه فجدله أو فانجدل: أي سقط-. والجدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، يقال: جادلت الرجل فجدلته أي غلبته، ورجل جدل أي قوي في الخصومة، وفي الحديث: ما أوتي الجدل قوم إلاّ ضلوا.

والجدل: مقابلة الحجة بالحجة، والجدال المحمود ما كان لنصرة الحق، والمذموم ما كان طلب مغالبة الحق لنصرة الباطل. وسورة المجادلة سورة قرآنية. ثم خلص من جولة المعاجم في هذه المادة إلى أن المعاني تدور حول اثنين: الشدة والقوة، واللدد في الخصومة، ويمكن دمجهما في معنى واحد كما يقول.

ويتباين هذا المدلول -بما فيه من الشدة- عن لفظ الحوار بما تعنيه هذه الكلمة من مراجعة الكلام بين طرفين، مراجعة قائمة على اللين واللطف لا على القسوة والعنف؛ فهي أخذ وعطاء ينتهي بقناعة أحد الطرفين وتسليمه بأحكام القضية المتحاور فيها.

والفرق بين الحوار والجدل يكمن في طبيعة الموقف، كما يكمن في الغاية. من الحوار أو الجدال. ثم يذكر مواطن هذه المادة في القرآن الكريم أي مادة الجدال. ويلاحظ أن معظم الآيات مكية.

ثم ينتقل لكلمة المناقشة، وتستعمل مرادفة للحوار، يقول: هو استعمال خاطئ. وفي اللسان: ناقشه الحساب: استقصاه. وذكر الحديث: من نوقش الحساب عذب. وأصل المناقشة من نقش الشوكة إذا استخرجها.

ثم نقل عن الدكتور عبد الحليم حفني في كتابه “أسلوب المحاورة في القرآن” قوله في تخطئة استعمال المناقشة بمعنى المحاورة: “يستخدمها الكتّاب والمثقفون مرادفة للمحاورة، وهذا الخطأ نشأ من الشيوع، وما أكثر ما تجني العامية على الفصحى…”.

ثم ينتقل إلى مفهوم الحوار في الحياة ومجالاتها من سياسية وأدبية، ويبدأ بمفهوم الحوار في الأدب، فيقول: “إن المبدع يصب أفكاره، ويجسد رؤيته عن طريق اللغة، فاللغة هي القالب الذي يصب فيه المبدع أفكاره”.

ومعلوم أن لغة الشعر غير لغة النثر، ومن ثم تختلف لغة الحوار في الشعر عنها في الفن القصصي والمسرحي، فأهداف الحوار متباينة في كل.

وكلما كان الحوار مركزاً وجيزاً كان متميزاً؛ “لأن ألد أعداء الحوار الإطالة”؛ كما يقول توفيق الحكيم في “فن الأدب”.

ويقول الدكتور يوسف نوفل في كتابه “تطور لغة الحوار في المسرح المصري المعاصر”: “إن الإطالة في الحوار قد تكون محمودة، إن كانت لملحظ، وقد لا تكون محمودة…”.

ثم يشير إلى الفروق بين الحوار في لغة المسرح والرواية. وينقل عن الدكتور غنيمي هلال في “النقد الأدبي الحديث”: “الجملة في الحوار المسرحي وضعت أصلاً لتقال لا لتقرأ، لكن الحوار في القصة صنع ليقرأ لا ليقال”.

ثم يعاود النقل عن توفيق الحكيم بأن الحوار تقع عليه كل الأعباء، وهو يلون المواقف بألوانها المناسبة، والحوار لا تقف مهمته عند رسم الحوادث وتلوين المواقف، بل هو الذي يعول عليه في تكوين الشخصيات.

ثم نقل عن الدكتور يوسف نوفل حول دور الحوار في المسرحية إذ قال: “ويسهم الحوار في بناء الشخصية الأساسية والثانوية، ورسمها والتدرج بها، وليس للمسرحية إلاّ الحوار المرتبط بالفعل أو الحدث، سواء أكان هذا الحوار تقريراً مباشراً أم حواراً يستعين بالصورة الفنية، وهنا نجد الحوار -بوجه عام- مكوناً للسمات النفسية والاجتماعية للشخصية… وللحوار وظيفة فنية تتصل بالتنبؤ الفني، والتكهن بلحظة التنوير، بما يقدمه من رموز وتفسير وتعليل وربط وتحليل في بناء درامي متماسك…”.

وانتقل من هذا إلى الحوار في المجال السياسي؛ حيث قال: إنه لا يبالغ إن قال إن هذه الكلمة غدت الأكثر شيوعاً في المجال السياسي، فتطالعنا الصحف بالعناوين الرئيسية وكلها تدور حول الحوار من مثل: (الرئيس يدعو إلى الحوار، لا بديل لحل المشكلات إلاّ بالحوار، دعوة أطراف النزاع إلى الحوار… الخ).

ثم ينقل عن إلياس مرقص قوله: “كان حلم الفلسفة الأول: تأسيس العلاقات بين البشر لا على القوة، كما كان واقع الحال -ولا يزال- بل على العقل كما يتطلب المثال…”.

ثم يشير إلى أن منطق الدول هو منطق القوة، لكن الإنسانية بعد حربين تأخذ منحى رشدياً وحضارياً أي حوارياً.

ويشير من بعد إلى أن أمتنا وما تعانيه من تفكك وضعف يعزى ذلك كله إلى افتقاد الأمة منطق الحوار، وهو منطق عقلي رشيد.

ثم ينقل عن الدكتور أحمد كمال أبو المجد في كتاب (حوار لا مواجهة): “ويبقى في النهاية أن الحوار حول الدين وقضاياه أجدر وأولى من كل حوار، بالتزام عفة اللسان والقلم والحرص على صون الكرامة، وتقديم حسن الظن بالنية والقصد”.

وينقل قول الدكتور رشدي فكّار: “الإسلام هو أول الأديان التي دعت إلى الحوار الحضاري بين أصحاب الديانات والحضارات الأخرى…”. ونبه فكّار إلى “ضرورة أن تكون غاية الحوار هي التسامي بالإنسان ورفعة النفس، وإذا لم يكن كذلك فسوف تتحول الأرض إلى غابة كبيرة…”. ثم انتقل إلى الحوار في مجال التربية وعلم النفس.

وينقل عن باولو فرايري صاحب كتاب (تعليم المقهورين) مصطلح (التعليم الحواري) وهي نظرية من نظريات التعليم، وينقل عن مترجم الكتاب يوسف نور عوض: “إن هذا المصطلح: هو ضرب من الوعي بالواقع الإنساني، فالإنسان عندما يتبين واقعه يدخل في علاقة حوارية مع نفسه وزملائه والعالم الذي يعيش فيه”.

يقول فرايري: “إن منهج طرح المشكلات يعتبر الحوار أساساً من أجل فهم العالم ويساعد منهج التعليم الحواري على الإبداع والفهم والتبصر بحقائق الوجود، وبالتالي فإنه يحقق إنسانية الإنسان”.

الفصل الثاني: الحوار ومغزاه الديني في القصة القرآنية:

ويقع في تسع عشرة صفحة، من ص45-ص64. “يؤدي الحوار دوراً في خلق الحركة في القصة القرآنية، وتلوينها بصور متعددة”؛ يقول المؤلف في مقدمة هذا الفصل…

ولا ريب أنه عن طريق الحوار تتبادل الشخصيات المواقف، وتنمو الأحداث في القصة ويحتدم الصراع. ومما يتميز به الحوار في القصة القرآنية، تلك الذاتية التي يحتفظ بها الحوار لشخصيات المتحاورين والمتجادلين في القصة… وتعقب القصة…

إن الهدف العام للقرآن هو إصلاح الحياة بكامل جوانبها من سياسية وفكرية ونفسية واجتماعية… إصلاحاً تتحقق فيه كرامة الإنسان وإنسانيته -كما أرادها الله- ووفقاً لهذا يعرف الإنسان ماهيته في الوجود، وفلسفته في الكون، وغايته في الحياة.

ثم يستعرض الكاتب عدة مشاهد من سورة الأعراف، من قصة نوح، وهود، وصالح، وشعيب عليهم السلام.

ويلتفت إلى التقاء المشاهد الحوارية في اتفاق الأنبياء وتلاقيهم في دعوتهم لأقوامهم إلى التوحيد. ويظهر من عبارة} يا قوم…{ الحرص على كسب مشاعر من يخاطبونهم، وفيها ما يدل على اللين والتعطف والتلطف، وما يستميل القلوب، ثم يعرض الحوار القضية الأساسية: }اعبدوا الله ما لكم من إله غيره…{ ويحاول النبي من خلال المحاورة أن يستفيد من كل المؤثرات النفسية، وأن يدخل إلى نفوس قومه من جميع الزوايا، ثم يعلن كل نبي في صراحة أن ما يعبده القوم من دون الله عدو له… كما قال أبو الأنبياء.

ومن هنا يدخل في مشهد من سورة الشعراء لإبراهيم مع قومه. ثم يحلل هذا المشهد فيقول: “إنه تدرج مع قومه وعلمهم عن طريق الحوار، والحوار منطق يعتمد على العقل، وعن طريقه يصل الإنسان إلى الحقيقة”.

ويلاحظ أن الحوار يتسم بالعرض السريع المباشر، وعلى الرغم من قصر الموقف فإنه يحتوي على كل أجزاء الموقف الحواري.

ثم يستشهد بالحوار في قصة آدم في سورة الحجر والبقرة؛ ففي الحجر إعلان عن المادة التي سيخلق منها آدم، بينما لا نجد ذكراً لهذه المادة في سورة البقرة. ثم هذه الإرهاصات في سورة البقرة في الملأ الأعلى بظهور خلق جديد هو آدم، وموقف الملائكة…

ثم لفت النظر إلى التعبير بـ (خالق، جاعل) فالفعل خلق يدل على إيجاد بعد عدم، أما جعل ففيه التصيير والانتقال.

ففي الحجر إشارة إلى الخلق، وفي البقرة إشارة إلى الجعل لأن الأمر يتعلق بالخلافة وهو أمر متجدد ومتواصل…

ثم ذكر السور التي ذكرت قصة آدم وهي السبع المعروفة: البقرة والأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه وص…

ثم يلحظ الكاتب التكرار اللفظي في خمسة مواضع، وفي موضعين: الحجر وص. وللتكرار دلالته التأكيدية في إظهار التقدير لآدم.

وبالمناسبة فإن الكاتب لا يرى نظرية نفي التكرار، بل يتبنى إثبات التكرار لما فيه من ملاحظ، وسيرد معنا عدد من مواقفه المفيدة هذا.

ثم أشار إلى أن التنوع سمة من سمات الحوار في القصة القرآنية جاء وفق مقتضى الحال.

ويتوقف قليلاً عند الحوار في سورة البقرة وكيف جاء مفصلاً نسبياً-، ويشير إلى الحوار بين الله والملائكة، فالطرفان المتحاوران: هما الله والملائكة، ومكان الحوار: الملأ الأعلى. وقضية الحوار: هي تكريم آدم، والحوار يتضمن كثيراً من الحكم والدلالات والتوجيهات، ومنها ما ينقله عن النجار: “إن الله قد يحجب سر حكمته عن أقرب خلقه إليه. وإن عناية الله إن توجهت إلى يسير القَدْر غدا جليله كما حصل مع الإنسان”.

ثم أشار إلى الخلاف في الاستفهام: (أتجعل؟ وكيف علّم الملائكة؟) وقال: “من الخير أن نحترم صمت القرآن في مثل هذه القضايا”.

ثم ينقد من بين من ينقل عنهم كلاماً للأستاذ توفيق محمد سبع في كتابه (قيم حضارية في القرآن)، حيث يقول السبع: “يُستشف من روح الحوار أن الملائكة كانوا حراصاً على أن ينتزعوا لأنفسهم حق الخلافة، فهم بهذا الاعتبار عنصر منافس للإنسان… ظل الملائكة متشبثين برأيهم متمسكين باستخلافهم…”، ثم يعلل قول الأستاذ سبع بأنه متأثر بالتفاسير المتأثرة بالإسرائيليات، فهو يصف الملائكة بصفات بعيدة عن صفاتهم وطبيعتهم…

ثم يشير إلى الذي سماه صاحب التصوير -الفجوات-، دون أن يذكره، ويشير إلى الغرض نفسه الذي نبه إليه التصوير، أن ثمة فراغات في ثنايا الحوار، وأن المتتبع يستطيع أن يسد تلك الفراغات بعقله وخياله.

ثم ينتقل إلى مشهد حواري من قصة موسى من سورة طه والشعراء… وكيف أُرسل موسى وهارون إلى فرعون، في المشهدين. وينبه الكاتب إلى أنه بالرغم من اتفاق موضوع الحوار إلاّ أنه يتبع أسلوباً حوارياً مختلفاً عن الأساليب الحوارية السابقة، إنه يتبع أسلوب التلقين لعبده موسى وهارون. ونقل عن كتاب سيكولوجية القصة في القرآن للدكتور التهامي قوله: “وقد جمع هذا الأسلوب من الدعوة الإلهية بين الترغيب والاستمالة، وبين التهديد والتحذير…”. فحبكة الحوار واضحة أشد الوضوح في المشهدين السابقين من قصة موسى.

وينقل عن عبد الكريم الخطيب قوله إن “القصص القرآني يؤدي بكلماته ما لا يؤديه التشخيص والتجسيم والتمثيل…”.

ولقد فضح اخوة يوسف ما جاء على ألسنتهم وهم يدبرون المؤامرة للانتقام من يوسف. وفضح فرعون، و… كل ذلك بالحوار.

ويختم الفصل بقوله: “ما أروع تصوير القرآن لغرور قوم هود ثم بيان عاقبة هذا الغرور. وما أبدع منهج القرآن وبلاغته في إخراج الحدث، وتصوير الوقائع والتعقيب؛ لتحقيق العظات من قصص القرآن…”.

الفصل الثالث: الحوار وأثره النفسي في القصة القرآنية.

ويقع في خمس وعشرين صفحة من ص67-ص92. يقول في مطلع الفصل: “إن قصص القرآن متناسق في منهجه النفسي مع منهج القرآن. والقرآن لكي يحقق كل أغراضه يعرض الفكرة الواحدة بأساليب مختلفة، وهذه سمة أسلوبية للقرآن وهذه الأساليب تخاطب كل المؤثرات في الإنسان، فقصص تثير التفكير في حين، والمشاعر والانفعالات في أحيان…”.

وتحت عنوان: (الحوار وانفعالات الإنسان) قال: “حوى القرآن وفق ترتيب نزوله على أخبار دون حوار، ثم تدرج الحوار بتدرج أسلوب الدعوة، واستعداد العقل الإنساني لتلقي المعرفة والجدل”.

ثم بدأ بالتفصيل، وتحت عنوان (انفعال الطرافة والمرح) مثل بقصة إبراهيم في سورة الأنعام حين أراه الله الملكوت…

ثم نقل عن الرازي: “إن من الناس من قال إن الحوار والمناظرة، كان بعد البلوغ. ومنهم من قال إنه كان قبل البلوغ، واتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول…”.

وأقول: إن الرازي أدخلنا في غير الجو المطلوب، فما موضوعنا البلوغ وعدمه، إنما الموضوع هل كانت هذه محاورة أو كان من إبراهيم بحثاً عن الإله الحق؟! والحق الذي لا مجال لمرية فيه أنه كان من باب الحجاج بنص الكتاب: } وتلك حجتنا…{ وبدليل: } ولقد آتينا إبراهيم رشده…{ الخ.

ويعلق كاتبنا على كلام الرازي بأنه يرى فساد القول الأول لأنه يتعارض وعصمة الأنبياء والقول بربوبية النجم كفر، وهو مُحِق، لو لم يربط قوله بالرازي، إذ القول الأول عند الرازي -كما نقل باحثنا- هو البلوغ، والثاني عدمه، فلا علاقة لهذا بما قاله الكاتب الكريم… وإن كان كلامه صحيحاً منسجماً مع ما نرى بطبيعة الحال.

ثم إن عنوان الكاتب: الطرافة والمرح، لا أجد له مدخلاً ولا محلاً -فيما أرى-، وقد يكون له –خارج ما نرى– محل.

ثم يشير الكاتب إلى اتباع إبراهيم التدرج العقلي والنفسي، وعن سخرية إبراهيم بقوله: ]لا أحب الآفلين[.

ثم ينقل عن الدكتور عثمان نجاتي في كتابه (القرآن وعلم النفس)، قوله: "إن هذا الحوار يكشف عن خطوات التفكير العلمي في حل المشكلات، فالخليل شعر بالمشكلة، ثم جمع البيانات الكافية، ثم وضع الفروض، ورابعاً قوّم الفروض ووصل للهدف المنشود".

ولم يفت باحثنا أن ينبه إلى بعض الملاحظ اللغوية كزيادة الواو والتاء في ملكوت... وذلك بغرض المبالغة.

ثم لفتنا إلى ارتباط الجمل الحوارية ببعضها. وإلى غلبة الزمن الماضي على الحوار، وإلى تكرار حرف (الفاء) ليدل على الترتيب والتعقيب.

ثم لفتنا إلى لفتة عن الرازي في قول إبراهيم للشمس: )هذا ربي[، وعلل عن الرازي بأقوال منها أنه يقصد النور (أي التذكير) ومنها أنه مراعاة للأدب مع الله فلم يقل هذه ربي. واختار الكاتب الأول. ولسنا نرى رأيه بل مراعاة الأدب أليق وأجمل.

ثم انتقل الكاتب إلى مشهد آخر من مشاهد إثارة الطرافة والمرح، ومن قصة إبراهيم أيضاً ولكن من سورة الأنبياء. ولفتنا إلى مقصد الاستفهام: )ما هذه التماثيل ..؟ [ وأن الغرض البلاغي كما يقول الزمخشري: تجاهل لهم وتغاب، ليحقر آلهتهم مع علمه بإجلالهم لها...، "وما أقبح التقليد" كما يقول صاحب الكشاف.

ثم لفتنا إلى تضمن مشهد سورة الأنبياء لصورة من صور الحوار هي المناجاة أو الحوار النفسي، } وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين{.

ثم لفتنا إلى: "غلبة الزمن الماضي في القصة، ثم إفادة } ولقد آتينا...{ للمكانة السامية لإبراهيم، ثم في نسبة الفعل إلى الكبير من الأصنام سخرية وإنكار، وصورة فنية تثير في النفس انفعال الطرافة والمرح".

يصِرّ الكاتب على حكاية الطرافة والمرح، وما من مجال لمثل هذا الانفعال، ولكنها السخرية المرّة التي تريد إيقاظ كامن العقل.

ثم يتوقف عند بعض اللفتات اللغوية: "} أأنت فعلت هذا بآلهتنا{ وما في الاستفهام من تقديم وتأخير وينقل عن عبد القاهر أن هذا الباب كثير الفوائد جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية. فلو دخلت الهمزة على الفعل لكان الشك في الفعل، ولكن دخولها على الاسم (أأنت) جعل الشك في الفاعل".

ثم ينقل عن الكشاف حكاية التعريض وإلزام الحجة وضرب لذلك المثل بأنه: "لو سألك شخص وأنت خطاط: أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أميّ لا يحسن إلاّ خرمشة فاسدة، فقلت له بل كتبته أنت".

ثم تحت عنوان: محاكمة إبراهيم وانفعال الخوف قال: "يبدأ المشهد بتساؤل: (من فعل هذا ؟)"، ثم يقول: "إن القرآن ترك للخصوم الفرصة أن يعبروا... ويتأزم الموقف إذ أيقنوا أن الفاعل إبراهيم".

ثم ينقل عن الدكتور الطيب النجار في (تاريخ الأنبياء) قوله عن جدال إبراهيم إنه: "جدال لم يخطر لهم على بال، إذ وصل بهم إلى طريق مسدود، فوقفوا جامدين حين ألقى إبراهيم التهمة على كبيرهم وطلبهم أن يسألوه...".

"ولما لم تعد لهم حجة لجأوا إلى القوة الغاشمة، ثم يشير إلى شعور الخوف لو لم يكن لإبراهيم نصير، لكن المولى نصيره... وقد نصره، فكانت النار برداً وسلاماً.

ثالثاً: انفعال الشفقة والرحمة:

ويستشهد له بمشهد الصافات، ومن قصة إبراهيم أيضاً مشهد الذبيح. ويلفتنا الكاتب إلى أن المشهد الحواري يعتمد أسلوب الحكاية، ونقلها على ألسنة الشخوص... وهو حوار قصير في غاية التركيز، لكنه يصور القضية.

ثم يشير في الهامش إلى محاولة اليهود جر الشرف إليهم بجعل الذبيح إسحق، ونقل عن أبي شهبة تفنيد ذلك.

ثم ينقل عن الدكتور عبد الحليم حفني في كتابه (أسلوب المحاورة في القرآن)، أن المشهد يفيض بمشاعر كثيرة في هذا الموقف الرهيب، وما يحتاجه هذا الموقف من قوة هائلة لمغالبة النفس وما يصطرع فيها من غريزة الأبوة، وعاطفة الرحمة بالولد".

"إن الصراع هنا ليس بين الإيمان والكفر"، كما يقول الكاتب، "ولكنه صراع من نوع خاص: صراع مجاهدة نفسية، حيث يندفع إبراهيم في التنفيذ وابنه، امتثالاً لأمر الله... وهما في غاية الرضا".

وينقل عن جاد المولى تفاصيل لا محل لها كقول إسماعيل: "اشحذ شفرتك، وأسرع إمرارها... الخ". وينقلها الطيب النجار كذلك والنسفي، ويعلق الكاتب بأن القرآن لم يتضمن هذه التفاصيل، وتعليقه صحيح في محله. إن قصد الرؤيا كان امتحان إبراهيم. ثم ينقل عن ثروت أباظة في كتابه (السرد القصصي في القرآن) قوله: "إن هذه القصة تحقق شروط القصة القصيرة من وحدة الزمان ووحدة الموضوع، وألاّ تكون كثيرة الأشخاص، وأن تكون ذات بداية ونهاية، وأن تكون مركزة، وذات حبكة فنية، وتتسم بما يسميه النقاد: لحظة التنوير". ويقول: "في ستين كلمة اكتملت قصة معجزة. البداية:} رب هب لي من الصالحين{، والقمة:} افعل ما تؤمر{، والنهاية: }وفديناه...{. ويثني الكاتب على أباظة.

لكنه لا يرتضي المقارنة غير المتكافئة بين الإعجاز الإلهي والإبداع البشري؛ لذا يقول الكاتب انه لا يميل إلى الربط أو يميل إلى عدم الربط بين القصة القرآنية، والقصة الفنية الحديثة لأن معنى ذلك أننا نعرض القرآن على قواعد وضعها البشر لنحكم من خلالها على فنية القرآن وبلاغته.

ثم ينقل عن الدكتور محمد بلتاجي في كتابه (دراسات في التفسير) تعليقه على الدكتور طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي) إذ قرر أن القرآن استخدم أسطورة اختلقها يهود شبه الجزيرة لإثبات صلتهم بالعرب. ثم يذكر الكاتب تأثر خلف الله بذات النظرية: "إذ يذكر أن من بين أنواع قصص القرآن: القصة الأسطورية (Mythology)".

ثم ينقل عن الدكتور أحمد كمال زكي في كتابه (الأساطير)، ما هي الأسطورة؟ وأنها ترتبط ببدايات الإنسان حيث كان يمارس السحر في طقوسهم سعياً لتفسير الظواهر الطبيعية.

ثم ينقل عن الخطيب في كتابه (القصص القرآني)، بأنه لو عَلِقَت شبهة بالقصة لانسحبت على كل القرآن. وهو كلام صحيح، وكلام خلف الله وأستاذه أبطل الباطل.

رابعاً : أثر مجادلة إبراهيم لملك زمانه:

في ختام الحديث عن أثر الحوار في القصة القرآنية في إثارة انفعالات النفس البشرية يعرض محاورة إبراهيم والملك الطاغية، التي كان لها أثر بالغ في إثارة قلق خصمه واضطرابه.

ويقفنا وقفات لغوية مع الاستفهام وأنه للتعجب والإنكار }ألم تر... {، ثم ينقل عن المنار شبهة سوء الفهم لمفهوم الإحياء والإماتة عند الملك، وينقل عن اللسان معنى بهت أنه انقطع وسكت متحيراً.

الفصل الرابع: السمات الفنية للحوار في قصص القرآن.

من ص95-ص121.

أول السمات: التعدد بين طرفي المحاورة في القصص القرآني:

فليس الإنسان هو مصدر الحوار. ثم يشير إلى حوار بين الله والملائكة، وبين الله والإنسان -كما سماه- ومثّل له بالذي مر على قرية -وليس كما قال- بل هو حوار مع ملَك أرسله الله، وإن لم يسجل النص ذلك، لكنه يُفهم ضمناً.

ومثّل للحوار هذا بالحوار بين الله ورسله، ثم بين الله وإبليس، وبين الملائكة والناس (مريم)، وبين الإنسان والإنسان، والإنسان والطير (سليمان).

السمة الثانية: التنوع في الموضوعات:

فلم يقتصر على العقيدة بل شمل جوانب الحياة سياسية واجتماعية ودينية، ثم يمثل بحوار موسى والخضر، فقد جاء حاثاً على طلب العلم، وينقل عن فضل الله في كتابه: (الحوار في القرآن) بعض الفوائد كالتواضع في طلب العلم.

ويعلق الكاتب على حوار الله والملائكة في قصة آدم بقوله: "وهذا جانب من جوانب الحياة الديمقراطية وحرية الرأي"، وأقول: لقد ابتعد وهو الحريص عن الجادة، فلا يصح أن يقال لكلام الله وإخباره الملائكة بأنه ديمقراطية.

ثم مثل بالحوار السياسي من سورة النمل.

السمة الثالثة: التنوع في أسلوب الحوار في قصص القرآن:

فيجمل في موطن ويفصل في موطن، وكما يقول الخطيب: "لم يلتزم القرآن نهجاً واحداً في إقامة البناء الحواري، لهذا نجد القرآن يذهب بالأسلوب الحواري كل مذهب ويلونه ألواناً مختلفة".

ثم يمثل بمشهد حواري من سورة القصص بين موسى (وابنتي شعيب كما قال)، وكيف أن الحوار فيه شيء من التفصيل. ثم انتقل إلى مشهد من قصة يوسف (المراودة).

ثم قال: "وأسلوب الحوار في القصة القرآنية يتسم بما يتصف به أسلوب القرآن من قوة وفخامة وبلاغة وإعجاز، وكانت ألفاظ الحوار في غاية الاحترام، حتى مع المخالفين والمعاندين".

والحوار في كثير من مشاهده يمثل شخصية المتحاورين… وفي هذا يرد على خلف الله الذي قال: "إن أسلوب القرآن في التعبير عن أفكار الأنبياء والأقوام لا يشاكل الواقع".

ثم مثل بحوار بين موسى وفرعون وكيف مثّل الحوار شخصية المتحاورين. ثم نبه إلى أن التنوع في أسلوب الحوار أدى إلى التنوع في الجملة الخبرية والإنشائية الواردة في قصص الأنبياء وكان لهذا التنوع دلالته اللغوية والبلاغية. وتوالي الجمل الخبرية في قصص الأنبياء والتي يغلب عليها الزمن الماضي له دلالته البلاغية، ويمثل بقصة يوسف: }وجاءت سيارة...{... الخ.

وينقل عن محمود السيد حسن في كتابه (روائع الإعجاز في القصص القرآني) قوله تعقيباً على قوله تعالى: }والله عليم بما يعملون{: "وهو وعيد شديد لمن كان فعْله سبباً لما وقع فيه يوسف من محن...".

ثم تحدث عن الانتقال إلى الأسلوب الإنشائي الحواري من الجملة الحوارية الخبرية وأسلوب الإنشاء الطلبي مثل: الأمر والنهي والاستفهام والتمني والنداء، والأمر ممن هو أدنى إلى الأعلى: دعاء، وهو كثير في قصص الأنبياء: } وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً...{، }قال رب اغفر لي ولأخي...{، }رب أوزعني أن أشكر...{، }وقال نوح رب لا تذر...{.

ثم تكلم عن الاستفهام بأداة (أنّى) على لسان كثير من الأنبياء وغيرهم. ومنه إلى الاستفهام بالهمزة، ثم إلى أسلوب النهي: }لا توجل...{، }ولا تقربا...{.

السمة الرابعة: اعتماد الحوار على العقل:

حيث تُعرض الحقائق على الخصم، وكلها مسلّمات بديهية لا تقبل الجدل أو الإنكار كما في محاورة صالح مع قومه: }اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم...{.

وبالإضافة إلى ما ذكر فإن الحوار في القصة القرآنية يتسم بتحريك المؤثرات الإنسانية بصفة عامة، فالحوار يثير الأحاسيس الطبيعية كالحب والكره والحزن والفرح، ويثير المؤثرات العقلية والنفسية، ولعل تكرار القصة في سور مختلفة يؤكد على أن أحدث نظريات الإعلام سبق إليها القرآن، كما يقول زهير الأعرجي في كتابه (دراسات في الإعلام) حيث يرى أن نجاح الإعلام اعتمد على الإلحاح والمتابعة والملاحقة.

ثم سجل الكاتب في ختام الفصل ملاحظتين: "عمد خصوم الأنبياء إلى تحقيرهم وأشياعهم والاستهزاء بهم كما في سورة هود والشعراء }ما نراك إلاّ بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلاّ الذين هم أراذلنا... {". والملاحظة الثانية: "بث الرعب في نفس الرسول واتباعه عن طريق التهديد والوعيد }لأقطعن أيديكم... {".

الباب الثاني:

ويستغرق نصف الكتاب تماماً أي حوالي مئة وعشرين صفحة من ص127-ص 247.

الفصل الأول: الأحداث في القصة القرآنية:

ويستغرق سبع عشرة صفحة، ومما قال فيه: "ترتبط الأحداث القصصية فيما بينها ارتباطاً وثيقاً، كما أن الارتباط تام ووثيق بين الحدث والشخصية، وقد جاء الحدث ملائماً للهدف؛ وقد جاء الحدث القصصي مثيراً لانفعالات النفس محركاً عواطفها تجاه مغزى القصة... ليس لأن الأحداث من فعل الله فحسب، بل بتصويرها الفني..."، كما يقول الدكتور التهامي نقرة في (سيكولوجية القصة).

ويقول الباحث إن للزمان والمكان أثرهما الواضح في سير الأحداث، وينقل عن الخطيب قوله: "إن القصص القرآني ينظر إلى عنصر الزمن على أنه اليد الحاملة للأحداث والمحركة لها...".

والقرآن في قصصه جاء مسايراً لسير الحادثة، فإذا تطلب سير الحادثة ذكر العنصر الزمني ذكرت القصة العنصر الزمني، ويستشهد بمشهدين من قصة يوسف ذكرهما الخطيب: ]عشاءً يبكون[، ]فلبث في السجن بضع سنين[. وقد يذكر الزمن صريحاً وقد يذكر تلميحاً.

ثم يقول: “إن العنصر المكاني كالزماني للارتباط الوثيق بين العنصرين من حيث الذكر وعدمه… فيذكر إذا استدعى الموقف… والعكس”.

ثم يستشهد بمشهد الطور ونبوة موسى. ثم يسجل ملاحظتين: أن المكان في القصص القرآني يذكر في أغلب الأحيان بلا حدود. وقد يذكر في ندرة محدداً.

ثم رد على خلف الله الذي قال: “إن القرآن لم يقصد إلى التاريخ وأبهم مقوماته من زمان ومكان…”، ويقول: “إن التمسك بالتاريخ خطر على النبي وعلى القرآن، بل هو جدير -على قول خلف الله- أن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا بالتوراة”. ثم رد الكاتب بأنه ليس في القرآن حقيقة واحدة تتعارض مع الحقائق التاريخية، ورد عليه بأنه منطلق من مقياس باطل وهو عدم حديث اليهود وغيرهم عن أحداث القصة القرآنية.

ثم زعم خلف الله… بأن القصة القرآنية لا توصف بتصديق ولا بتكذيب !!. ثم يرد الكاتب عليه ببعض النصوص من مثل: “إن هذا لهو القصص الحق”، وما شابهه ثم يحيله إلى بحث للدكتور عفت الشرقاوي (في فلسفة الحضارة الإسلامية).

ومن ضمن النصوص التي استشهد بها الكاتب هذا النص عن الشرقاوي: “وهكذا يثبت القرآن للتاريخ معنى معيناً على الإنسان أن يتلمسه دائماً ليعرف وجوده، وهذا المعنى يرتبط بقانون سماوي نافذ في التاريخ حتماً يصفه القرآن بأنه سنة الله أي طريقته…”.

ثم يحيله إلى مالك بن نبي وكتابه (الظاهرة القرآنية) ودراسته المقارنة لقصة يوسف في التوراة والقرآن.

ثم يشير الكاتب إلى التسلسل في الأحداث في القصة القرآنية والترابط الوثيق فيما بينها من ناحية، وبين التسلسل الزمني من ناحية أخرى، ثم أشار إلى تطور الشخصية بتطور الزمن، ثم استشهد بقصة موسى من مولده.

ثم قال: “وتعد سورة هود من خير النماذج الدالة على تسلسل الأحداث وترابطها. وقد تتتابع الأحداث سريعاً، ولهذا مغزاه ومنه إثارة انفعالات النفس البشرية”.

ثم قسم الأحداث إلى: أحداث مألوفة عادية، وتحتشد القصة القرآنية بعدد منها مما يحصل للشخصيات المحورية أو الثانوية. وأحداث غير مألوفة كالمعجزات، وضرب لها أمثلة. ونوع ثالث من الأحداث قال فيه: أحداث تدخلت فيها قدرة الله لحكمة خاصة. واستشهد بقصة موسى، ونار إبراهيم.

الفصل الثاني : رسم الشخصية في القصة القرآنية .

ويقع في تسع عشرة صفحة من ص147–ص166. يذكرنا بأن عنصري القصة البارزين هما: الشخصية والحدث. والشخصية مركز الأفكار والمجال الذي تدور حوله الأحداث، فالأفكار تحيا في الشخصية كما ينقل عن الدكتور عبد الفتاح عثمان في كتابه (بناء الرواية).

والشخصية في القصة القرآنية لها نماذج متعددة. وينقل عن الدكتور الطاهر مكي في كتابه (القصة القصيرة، دراسة ومختارات)، قوله: “وتجيء الشخصية في القصة القرآنية مبهمة أو غامضة، وتكون من الأناس رجالاً ونساء، ومن الطيور والحشرات، أو أرواحاً خفية من الملائكة والشياطين والجان…”.

فهناك نماذج الأخيار ونماذج الأشرار، وهناك النساء، فالقرآن حفل بنماذج إنسانية تمثل الجنس البشري كله، وجعلها نماذج صالحة لكل زمان ومكان… وهي نماذج حية شاخصة نراها بأعيننا وفي حياتنا…

ثم أشار إلى سيد قطب في تصويره الفني وفصل (نماذج إنسانية). وذكر أنماطاً. وقال: “هذه نماذج من بين ثلاثين نموذجاً في التصوير الفني”.

وبعد الحديث عن نماذج الشخصية يتحدث الكاتب عن سلوك الشخصية في قصص القرآن والقرآن لم يعرض إلاّ ما هو مهم منها… ويمثّل بقصة آدم، وكيف عرض الأكل من الشجرة الذي يدل على الضعف.

وشخصيات الرسل تسيرها المبادئ، وقد تومئ القصة إلى سلوك معين، وينقل عن الطاهر المكي في (القصة القصيرة) بعض هذه الإيماءات كعصبية موسى، وحِلم إبراهيم، وحصافة يوسف، وهي أوصاف أعتقد أنه نقلها عن التصوير الفني، ثم ينفي الكاتب وصف العصبي عن موسى، وهو محق في ذلك.

ويستشهد بمشهد من قصة نوح في سورة هود وكيف تحرى القرآن الدقة المتناهية في انتقاء ألفاظه، ورسم شخصياته بحيث يظهر الحوار القصصي في صورة جلية تجعل المشهد كله شاخصاً أمام أعيننا.

وينقل عن محمود السيد حسن في كتابه (روائع الإعجاز في القصص القرآني)، وعن الطيب النجار حول هذه المعاني.

ثم يذكر مثالاً آخر من قصة فتية الكهف. وكما هو متوَقع رجع إلى صاحب التصوير الذي لعله من خير من تكلم في هذا المشهد.

ثم ينتقل إلى مشاهد من قصة مريم، ليخلص إلى أن الألفاظ تلعب دوراً أساسياً في تمثيل الحادثة، ورسم الشخصية. ورسم الشخصية يعد لوناً من ألوان التصوير.

ثم يبرز أن القُصّاص أبرزوا الجانب الفسيولوجي للشخصية، والقرآن لم يهتم بهذا البعد إلاّ نادراً في إشارة عابرة، أو لمحة خاطفة… وأما البعدان الآخران النفسي والفكري أو الاجتماعي فهما واضحان في قصص القرآن أشد الوضوح.

ثم يشير إلى التحديات الشخصية التي قام بها خصوم الدعوة، حيث أرادوا تشويه صورة النبي في نظر الناس، ووصفه بالصفات التي تجعل منه إنساناً عادياً كوصفه بالشاعر، أو بالساحر، أو الكاهن. ولكن هيهات !. ثم ذكر العديد من السور التي ذكرت هذا… ثم خلص إلى أن القرآن بما صور الظواهر الدينية والعقلية والاجتماعية أبلغ تصوير لكل قوم، كان المرجع في معرفة هذه الجوانب عند قوم كل رسول والجانب العقدي عند الرسل وأن سيرة الرسل السابقين تمثل جزءاً من سيرته صلى الله عليه وسلم.

ثم يخلص كذلك إلى أن القصص القرآني يعكس بوضوح البعد النفسي للشخصية أيّاً كانت كما يعكس في الوقت نفسه نفسية المجتمع… ثم ينقل عن الدكتور عز الدين إسماعيل في كتابه (الأدب وفنونه): “تقسيمه الشخصيات إلى نوعين: الشخصية الجاهزة أو المسطحة (Flat character)، وهي الشخصية المكتملة التي تظهر في القصة دون أن يحدث في تكوينها أي تغيير، وإنما يحدث التغيير في علاقاتها بالشخصيات الأخرى فحسب، أما تصرفاتها فلها دائماً طابع واحد. والنوع الثاني: الشخصية النامية (Round character)، وهي الشخصية التي يتم تكوينها بتمام القصة”.

ثم ينقل عن الدكتور عبد الفتاح عثمان في كتابه (بناء الرواية) تصنيفاً آخر إذ يقول: “والشخصية لها تصنيفات عديدة، بعضها يتعلق بموقع الشخصية من الأحداث، وقدراتها على النمو وإدارة حركة الصراع، وبعضها يرتبط بموقف الشخصية من الأحداث إيجاباً أو سلباً وبعضها الثالث يتصل بتعبير الشخصية عن الإنسان الفردي أو النموذج الاجتماعي”. ثم يضرب المثل بشخصية يوسف، وما سماه احتدام الصراع بين العقل والعاطفة في مشهد مراودة امرأة العزيز له.

ثم أكد مرة أخرى أن القصة القرآنية نمط مستقل منفرد قائم بذاته من حيث اللغة والحوار والأحداث والشخصيات، والشخصية في القصة القرآنية تعد شخصية بسيطة؛ لأنها تتسم بالوضوح والبساطة…

كذلك، فإن الشخصية من حيث السلوك ثابتة لا تتغير ومعروف سلوكها للقارئ، بحيث لا يمكن للقارئ أن يتوقع تغيراً جوهرياً في موقف الشخصية وسلوكها إزاء الأحداث؛ ثم ضرب المثل بثبات الأنبياء. أقول: هذا قول للكاتب لا يسلم له، ولعل شخصية امرأة العزيز، والسحرة، واخوة يوسف، تنقض بيسر، أو على الأقل تعدل، ما يقول. فهذه شخصيات خاصة السحرة وامرأة العزيز تغيرت من نقيض إلى نقيض… لكن يصدق كلامه على الأغلب…

ثم يقول: “إن الشخصية في القصة القرآنية نموذجية تصدق على أفراد كثيرين (تمثل نموذجاً) في كل زمان ومكان”.

ثم ينقل عن الدكتور نجيب الكيلاني (الروائي الإسلامي المعروف) قوله: “إن الشخصية الواقعية (المنتجة من الواقع المعاصر أو التاريخي) لها جاذبيتها، أما الشخصية التي صنعت من الوهم فغير مقنعة…”.

ويؤيد الباحث هذا، وينقل عن عبد الكريم الخطيب ما يؤيده كذلك، وكيف ذكر القرآن الشخصيات بأسمائها، ثم كيف نرى وحدة الحركة بين الشخصية وأعمالها التي تصدر عنها. والشخصية في القصة القرآنية بما تمثله من قيم واتجاهات مما يساعد في إصلاح الفاسدين وفتح باب الأمل أمام اليائسين.

ثم يعرّض بالآداب الغربية التي أضفت البطولة على الشخصيات العليلة فأفسدت فلم يعد يرى الناس في هذا إلاّ جمالاً ومثالاً… كما يقول الكيلاني -رحمه الله-.

الفصل الثالث: النموذج بين الرجل والمرأة:

هذا أطول فصول الكتاب، فقد نيّف على الأربعين، ووقع ما بين ص169–ص212. يبتدئ الفصل بالحديث عما سبق ذكره من اهتمام القرآن لا بالبعد الجسمي للشخصية وإنما بالكشف عن سلوك الشخصية ودوافعها وانفعالاتها، وابتدأ النماذج بآدم (نموذج الجنس البشري) وقسم قصته إلى مشاهد حسب ترتيب المصحف: البقرة، فالأعراف، فطه…

وتلتقي المشاهد بسكناه الجنة، ووسوسة إبليس بالكون من الملائكة، ومن الخالدين. ويعود إلى خلف الله من جديد، وتقسيمه القصص (يبدو أن قصص القرآن هو المراد) إلى: قصة تاريخية، وقصة تمثيلية، وقصة أسطورية، وقصة الخطيئة.

ويصنف الشجرة إلى شجرتين: الشجرة (فقط)، وشجرة الخلد. ثم يشير إلى أن العقاد ألف كتاباً بعنوان (المرأة في القرآن) أفرد فيه فصلاً بعنوان: (هذه الشجرة) ولم يشر إلى تقسيم. وقول خلف الله عموماً لا يحتاج إلى رد.

وينقل في ختام الحديث عن آدم عن عفت الشرقاوي في كتابه (فلسفة الحضارة الإسلامية): “كثيراً ما ينسى الإنسان –كما نسي آدم– أمام الرغبة في الخلود والبقاء والخوف من الفناء. ويرى الشقاء هو شقاء الخوف من الفناء…”.

ثم يمثل بشخصية إبراهيم لأنه من أولي العزم، ولأنه أبو الأنبياء، ولأن القرآن يحتج على مشركي العرب بأحواله. ثم يستعرض بعض مشاهد قصته من سورة مريم، ثم الصافات   –مناظرته لقومه-. وكيف كشف الحوار في المشهدين عن البعد النفسي لإبراهيم، وقلقه على أبيه وقومه من عبادة الأصنام… كما في سورة إبراهيم كذلك.

ثم مشهد الحوار في سورة البقرة، ثم ينقل عن الدكتور التهامي وصفه لشخصية إبراهيم بالمثالية في الحصافة والإخلاص والامتثال لأمر الله.

نموذج ثالث: موسى عليه السلام. ويبدأ من سورة القصص؛ حيث يصور هذا المشهد حياته بعد طور النشأة، وكيف عرف أصوله، وفي لمحة يشير القرآن إلى قوته: }فوكزه…{. ثم يجيب بما قال الرازي عن قتل المصري.

ثم ينتقل إلى مشهد مدين… ولفتة إلى القوة من جديد. ومشهد ثالث من سورة الأعراف حين رجع غضبان أسفا. ويرد ما قال الدكتور التهامي من اندفاع موسى وعصبيته. وهو قول قاله من قبل صاحب التصوير رحمه الله.

ثم ينتقل إلى نموذج آخر: نموذج فرعون؛ وما يتسم به من زهو وغرور وذكر عدة آيات من عدة سور تمثل شخصيته، وكيف أن هذه المشاهد تنقل لنا واقع شخصية فرعون، وصدى هذا الواقع في المجتمع.

ثم يعرج على شخصية عدة رجال لم يذكر القرآن أسماءهم كصاحب موسى، والرجل المؤمن. ثم يتكلم عن الشخصية في المثل ويشير إلى خلاف الخطيب وشلتوت حول واقعية تلك الشخصيات. ويرجح كفة الخطيب من القول بواقعية الشخصيات.

ثم ينتقل إلى نماذج المرأة في القصة القرآنية؛ والنموذج الأول: امرأة عمران. والثاني: مريم مثال الكمال والعفة، والنموذج الثالث: امرأة فرعون. ونموذج رابع: امرأة نوح، وخامس ويسميه: نموذج الأنثى (سورة القصص–مدين). النموذج السادس: المرأة الملكة (سورة النمل)، والنموذج السابع: المرأة التي استبد بها الحب وغلبها الهوى (امرأة العزيز) ويطيل في هذا النموذج ويذكر الكتب التي تكلمت عن قصة يوسف.

الفصل الرابع والأخير: النموذج بين الخير والشر في القصة القرآنية:

ويقع في أربع وعشرين صفحة، من ص215–ص239. في بداية الفصل يتحدث عن الثنائية في الحياة، والوجود، فالخير يقابله الشر، والفرح يقابله الحزن، والحياة يقابلها الموت، ثم ينقل عن الخطيب قوله: “عن هذه الثنائية نشأ التلازم بين الخير والشر، فإذا ذكر الخير ذكر معه الشر، وظهرا معاً في مجال الفكر متقابلين تقابل الصورة وسالبها…”.

ويرى العقاد: “إن معرفة الإنسان للشيطان وهو رمز الشر، كانت فاتحة خير، ولم يكن بين الخير والشر من تمييز قبل أن يعرف الشيطان بصفاته وأعماله وقدرته ومقاصده…”؛ وذلك في كتاب العقاد (إبليس).

وينقل عن ابن مسكويه في تهذيبه أن الفضائل لا تحصل لنا إلاّ بعد التطهر من الرذائل ثم يبتدئ في عرض النماذج، ومن نماذج الأخيار كل الأنبياء ومن دعا بدعوتهم. ونماذج الأشرار عديدة، وتنطبق سمات الأشرار في القصة القرآنية على سماتهم في الحياة بصفة عامة، ومن هؤلاء من سماهم القرآن كفرعون وهامان وقارون وإبليس… وقد اتسمت شخصياتهم بالعناد والضلال والمكابرة، والانحراف…”.

والنموذج الأول الذي عرضه للخير والشر: نموذج ابني آدم. وصراع هذه القصة يأخذ طابعاً خاصاً، فهو صراع عنيف وصل إلى حد ارتكاب جريمة شنعاء. أما الحوار فإنه يجعل المشهد حاضراً. وتكلم عن بعض اللفتات اللغوية (بسطت، باسط) ثم تحدث عن سمات الخيّر من الأخوين وأنها: النصح، والتذكير، وامتثال أمر الله والسماحة والوداعة. وسمات الآخر: الأثرة والأنانية والحسد والعدوان، وإشباع رغبة التسلط والاندفاع إلى الشر.

النموذج الثاني: لقمان. ولخص ما تضمنت وصيته: عدم الشرك، والشكر، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، وعدم التكبر، والاعتدال في المشي، وخفض الصوت.

ومن نماذج الشر يعرض شخصية قارون. وتمثل النموذج الإنساني العام للأشرار والنتيجة المتوقعة هي نتيجة حتمية يكشف عنها حوار الأخيار مع الأشرار.

النموذج الثالث: قصة صاحب الجنتين، إنه نموذج الشخصية الشريرة بكل سماتها.

والنموذج الرابع: شخصية إبليس، وقصته تستعرض الصراع العنيف والعداوة بينه وبين أولاد آدم.

وفي الخاتمة التي جاءت في خمس صفحات لخص في تسع نقاط ما جاء في بحثه:

يتمشى مفهوم القصة في اللغة مع الاستعمال القرآني.

الحوار والجدال والمناقشة والفروق بينها.

للحوار في القصة القرآنية مغزاه الديني، فهو يحقق أغراض القصة.

للحوار في القصة القرآنية أثره النفسي العميق في نفوس المتحاورين.

تميز الحوار في القصة القرآنية بجملة من السمات الفنية أو الخصائص.

ترتبط أحداث القصة القرآنية ارتباطاً وثيقاً بشخصياتها.

نماذج الرجال في قصص القرآن كثيرة، منهم الرسل ودعاة الحق، ودعاة الباطل والنكرة، والرجل المثَل. ونماذج المرأة متعددة: المؤمنة في بيت الطاغية والعكس والمنحرفة الخارجة عن طبيعتها، والتقية النقية كمريم، والملكة المرأة، والمرأة العاشقة.

شخصية الرجل والمرأة في القصة القرآنية نادراً ما يظهر فيها البعد الجسمي.

ذكر القرآن أسماء الشخصيات من الرجال كالأنبياء، والكفار، ولم يذكر من النساء سوى مريم.

وبعد، فهذا كتاب جيد، فيه جهد ظاهر، ووفرة مراجع، وذوق في الاختيار، وجدة في الطرح، واختصاص وفنية، ومصطلح، وليس إنشاءً… ولا تكراراً، وهنات بسيطة نبهت إليها.

أكتب تعليق