أحكام الهمزة في رواية حفص عن عاصم


من طريقي (الشاطبيَّة) و(الطَّيِّبة)

يبحث هذا المقال في باب من أبواب التجويد والقراءات، غفلت عنه كثير من كتب التجويد فأهملته -مع أهميته- ألا وهو باب الهمزة وأحكامها في رواية حفص عن عاصم من طريقي (الشاطبيَّة) و(الطيِّبة).

ورواية حفص كبقية الروايات لها أحكام عند التقاء الهمزات؛ فينبغي بيان هذه الأحكام وإن كان بعضهم يرى أن رواية حفص قد انتشرت فلا داعي لذكر هذا الباب؛ مما أدى إلى جهل كثيرين له.

ثم إن هناك بلداناً عربية تقرأ بغير رواية حفص؛ كالمغرب برواية ورش، وليبيا برواية قالون، وبعض السودان برواية الدوري عن أبي عمرو. ورواياتهم تختلف عن رواية حفص في هذا الباب مما استدعى تبيينه بالتفصيل:

تعريف الهمزة

الهمزة لغة: من همز يهمز همزاً؛ وهو الغمز والضغط. ومنه: الهمز في الكلام؛ لأنه يضغط.

وفي ظني ما سميت الهمزة بذلك إلا لأنه عند النطق بها يكون هناك ضغط على المخرج والنَّفَس.

مخرج الهمزة وصفاتها ولقبها وأثرها على الحروف

أولاً: مخرج الهمزة:

تخرج من أقصى الحلق؛ أي: أبعده من الفم وأقربه مما يلي الصدر.

ثانياً: صفاتها اللازمة:

الجهر والشدة والانفتاح والاستفال والإصمات. وذكر الشيخ الحصري صفات أخرى للهمزة هي:

1. الجرس: وصفت بذلك؛ لأن الصوت يعلو عند النطق بها.

2. الهتف: وصفت بذلك؛ لخروجها من الصدر فتحتاج إلى ظهور صوت قوي شديد.

ثالثاً: لقب الهمزة:

تُلَقَّب الهمزة بالحلقية؛ لخروجها من الحلق.

رابعاً: الصفات العارضة:

الهمزة حرف مستفل؛ ولذلك هو حرف مرقق في جميع حالاته ساكناً أو متحركاً.

ومن الأخطاء التي تقع بنطق الهمزة تفخيمها في بعض الكلمات مثل: أطلع، الابتداء بلفظ الجلالة.

ومن الأخطاء أيضاً: إذا كانت متطرفة ووقف عليها؛ فبعضهم يهمسها وبعضهم يقلقلها. وهو لحن يجب التنبه له.

خامساً: أثر الهمزة على الحروف:

1. إذا جاء بعد  الهمزة حرف مد من جنس حركتها؛ فهو البدل نحو: ءادم، إيمان، خاسئين، مستهزءون.

2. إذا جاء قبلها حرف المد:

أ. إذا كان في كلمة؛ فهو المتصل نحو: السماء، السوء، سيء. ويُمَدُّ وجوباً من طريق (الشاطبية): 4–5 حركات، ومن طرق (طيبة النشر): 4-5-6 حركات.

ب. إذا كان في كلمتين؛ فهو المنفصل نحو: إنا أنزلناه، إني أنا، قالوا إن. ويُمَدُّ من (الشاطبية): 4-5

حركات، ومن (طيبة النشر): 2-3-4-5 حركات.

3. إذا وقع قبلها حرف ساكن؛ فإن لحفصاً من (طيبة النشر): السكت على الساكن قبلها.

والسكت: هو قطع النَّفَس زمناً دون زمن الوقف بنيَّة استئناف القراءة.

والسكت لحفص من طريق (طيبة النشر) قسمان:

أ. السكت الخاص: ويكون على كلمة: شيء، و(أل) التعريف؛ إذا جاء بعدها الهمزة نحو: الأرض، والساكن المنفصل نحو: قد أفلح.

ب. السكت العام: ويكون زيادة على السكت الخاص الساكن المتصل؛ بمعنى أن السكت العام يكون على: شيء، و(أل) التعريف، والمفصول والمتصل رسماً نحو: القرءان.

وشرط السكت أن يكون على الساكن قبل همزة قطع متحركة.

أقسام الهمزة

والمقصود هنا: بيان ما لحفص من أحكام فيما يتعلق بالهمزة من التخفيف كالتسهيل والحذف وغيره. ولأن مخرج الهمزة بعيد واجتمع فيها عدد من الصفات القوية؛ وَرَدَ في القراءات تخفيفها، وهي لغة العرب؛ حيث يستثقلون الهمزة. وسوف نبين ما لحفص من تخفيف للهمزة.

ولكن قبل الشروع في المقصود لا بدَّ أن نبين بعض المصطلحات المتعلقة بالباب:

1. الإبدال: وهو أن تبدل الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها.

2. التسهيل: وهو النطق بالهمزة في حالة متوسطة بين الهمزة المحققة وبين حرف المد المجانس لها

المفتوحة: بين الهمزة والألف.

المضمومة: بين الهمزة والواو.

المكسورة: بين الهمزة والياء.

3. الإسقاط: حذف إحدى الهمزتين المتلاصقتين بحيث لا يبقى لها صورة ولا أثر؛ كإسقاط الهمزة الأولى في: جاءَ أَحد.

4. النقل: تحريك الحرف الساكن بحركة الهمزة التي بعده، ثم تحذف الهمزة من اللفظ نحو: قدْ أََََفلح المؤمنون = قدَ افلح.

5. التحقيق: النطق بالهمزة من مخرجها أو همز الكلمة غير المهموزة نحو: كفواً = كفؤاً.

6. الحذف: وهو إسقاط الهمز المفرد من كلمة بحيث لا يبقى لها أثر نحو: يضاهئون = يضاهون.

والفرق بين الإسقاط والحذف أن الإسقاط: مصطلح متعلق بالهمزتين المتجاورتين، والحذف: مصطلح متعلق بالهمزة المفردة من كلمة.

والآن نشرع في المقصود فنقول: الهمزة أقسام: الهمز المفرد، والهمزتان المتجاورتان في كلمة، والهمزتان المتجاورتان من كلمتين.

أولاً: الهمز المفرد:

وهو أن تكون الهمزة واحدة في كلمة ولم تقترن بمثلها. وهي قسمان:

1. الهمزة الساكنة: حقق حفص كل همز مفرد ساكن سواء كان: فاء الكلمة (وأْتوا، استئْذن) أم عين الكلمة (بئس) أم لام الكلمة (يشأ).

ومِن الكلمات المشهورة التي يهمزها حفص: الذئْب، مؤْصدة، يأْجوج ومأْجوج، البئْر.

ويسقط همزة: أرجئْهُ؛ فيقرأها بدون همز مع إسكان هاء الضمير: أرجِهْ.

ويبدل همزة: ضئْزى (قراءة ابن كثير) ياءً مدِّيَّة؛ فيقرأها: ضيزى.

2. الهمز المتحرك: وهو قسمان:

أ. متحرك قبله متحرك: يحقق حفص كل همزة متحركة قبلها متحرك نحو: رئاء، رؤوف، متكئون، أرأيت، يضاهئون، الصابئون.

واستثني له كلمتان: (هزؤاً): يبدلها واواً مفتوحة حيث وردت (هزواً)، و(كفؤاً): يبدلها واواً مفتوحة مع ضم الفاء (كفواً).

ب. متحرك قبله ساكن: يحقق حفص كل همزة متحركة قبلها ساكن مثل: اللائي، النسيء.

ج- بعض الكلمات المخصوصة: وهي قسمان:

الأول : ما ورد لحفص بغير همز:

1. النبيء وما تصرف منها (الأنبئاء، النبوءة، النبيئين): النبيّ بياء مشددة.

2. مرجئون (التوبة:106) بغير الهمزة وبسكون الواو: مرجون.

3. ترجئ (الأحزاب:51): ترجي.

4. ضئاء (يونس والأنبياء والقصص): ضياء.

5. بادئ الرأي (هود:27): بادي.

6. البريئة (البينة:6): البرية.

7. كوكب دريء (النور:35): دري.

8. جبرئيل (البقرة:98): جبريل (جيم مكسورة وراء مكسورة).

9. ميكائل (البقرة:98): ميكال.

10. وأوصى (البقرة: 132): ووصى.

11. سأقيها (النمل:44)، سؤقه، سؤوقه (الفتح:29): ساقيها وسوقه.

الثاني: ما قرأه حفص بالهمز:

1. (ليكة) قرأها في جميع المواضع بلام التعريف بعدها همزة الأيكة.

2. شركاً (الأعراف:190) بالهمز بعد ألف شركاء.

3. دكا (الكهف) بالهمز بعد ألف دكاء.

4. رِدَاً يصدقني (القصص:34) بالهمزة بعد دال ساكنة رِدْءاً.

5. ليهب (مريم:19) لأهب.

6. استياس، تياسوا حيث وردت.

7. الصابئين ويضاهئون حيث وردت.

8. أثاثاً ورياً (مريم:74) ورئياً.

ثانياً: الهمزتان في كلمة:

وهو قسمان:

الأول: الأولى متحركة والثانية ساكنة: يبدل حفص همزة القطع الساكنة حرف مد مجانس لحركة همزة القطع الأولى. ويسمى مد البدل الحقيقي. وهو لجميع القراء كذلك نحو: (ءَءْدم=ءادم) و(أؤْتوا=أوتوا) و(إءْمان=إيمان).

الثاني: الأولى متحركة والثانية متحركة: ولا تكون الأولى إلا استفهامية مفتوحة (باستثناء: أئمة)، والثانية إما مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة.

- المفتوحتان (ءأنت قلت للناس): له تحقيق الهمزتين باستثناء:

1. ءأعجمي (فصلت:44): له تسهيل الثانية بين الهمزة والألف.

2. ءأن يؤتى (آل عمران:73): قرأها بهمزة واحدة (أن يؤتى).

3. ءأذهبتم طيباتكم (الأحقاف:20): قرأها بهمزة واحدة (أذهبتم).

4. ءأن كان ذا مال (القلم:14): قرأها بهمزة واحدة (أن).

5. ءأمنتم (الأعراف:76، طه:71، الشعراء:19): قرأها بهمزة واحدة (آمنتم).

أي أنه قرأ الجميع بالإخبار، ومِنَ القراء من قرأ بالاستفهام بهمزتين مفتوحتين.

- المفتوحة بعدها مكسورة (أئنك): حقق حفص الهمزتين على الاستفهام، وأخبر في المواضع التالية -ومن القراء من قرأ بالاستفهام-:

1. أئنكم لتأتون (الأعراف:81): إنكم.

2. أئن لنا لأجراً (الأعراف:113): إن.

3. أئنا لمغرمون (الواقعة:66) إنا.

الاستفهام المكرر (أئذا…أئنا):

ورد الاستفهام المكرر في أحد عَشَر موضعاً في تسع سور. ومن الأمثلة عليه: (أئذا كنا تراباً أئنا لفي خلق جديد) (الرعد:5)، وورد أيضاً في السور التالية: (الإسراء: 49، 98)، (المؤمنون:82)، (النمل:67)، (العنكبوت:29)، (السجدة:10)، (الصافات:16)، (الصافات:53)، (الواقعة:47)، (النازعات: 10،11).

اختلف القراء على ثلاثة مذاهب:

الأول: الإخبار في الأول، والاستفهام في الثاني.

الثاني: الاستفهام في الأول، والإخبار في الثاني.

الثالث: الاستفهام فيهما.

ومذهب حفص هو الاستفهام في الأول والثاني مع تحقيق الهمزتين.

وأما موضع العنكبوت فإنه يُقرأ بالإخبار في الأول (همزة مكسورة)، والاستفهام في الثاني: (إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) (أئنكم لتأتون الرجال) (العنكبوت:29)

- المفتوحة بعدها مضمومة (أؤنبئكم): قرأ حفص جميع المواضع بالاستفهام – همزتين محققتين -. وهي في ثلاثة مواضع في القرآن:

1. قل أؤنبئكم بخير من ذلكم (آل عمران:15).

2. أءنزل عليه الذكر (ص:8).

3. أءلقي الذكر عليه (القمر:25).

وأما موضع الزخرف فمن القراء من قرأ بهمزتين (اءشْهدوا خلقهم) (الزخرف:19) مع تسكين الشين، وأما حفص فهو ممن قرأ بهمزة واحدة مفتوحة مع فتح الشين (أشَهدوا).

* تنبيهات:

الأول: دخول همزة القطع على همزة الوصل:

وهنا تكون همزة القطع استفهامية، ويكون دخولها على الأسماء والأفعال:

- في الأسماء: تثبت همزة الوصل. وفيها وجهان لجميع القراء: إبدالها حرف مد مع المد اللازم؛ لأن بعدها حرف ساكن سكوناً أصليّاً أو تسهيلها بين الهمزة والألف من غير مد. ولم ترد إلا في ثلاثة مواضع: ءالئن (يونس: 51،91)، ءالله (يونس:59، النمل:59)، ءالذكرين (الأنعام:143،144).

- في الأفعال: إذا دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل في الأفعال فإن همزة الوصل تسقط لفظاً وخطاًّ من المصحف. وذلك في سبعة مواضع:

1. قل أتخذتم عند الله عهداً (البقرة:80).

2. أطلع الغيب (مريم:78).

3. أفترى على الله كذباً (سبأ:8).

4. أصطفى البنات (الصافات:153).

5. أتخذناهم سخريّاً (ص:63).

6. أستكبرت (ص:75).

7. أستغفرت (المنافقون:6).

الثاني: دخول همزة الوصل على همزة القطع، وتكون هنا همزة القطع ساكنة. ولم يرد في القرآن إلا ثلاثة أفعال: اؤتمن (البقرة)، ائت (حيث وردت)، ائذن (التوبة).

- في الوصل: حفص يسقط همزة الوصل كباقي القراء.

- في الابتداء: يثبت همزة الوصل وتكون حركتها حسب الحرف الثالث من الفعل:

فإن كان الفعل مبنيّاً للمجهول أو كان ثالثه مضموماً ضمّاً أصليّاً؛ فإنه يضمها نحو: اؤتمن. ويبدل همزة القطع الساكنة حرف مد مجانس لحركة همزة الوصل فيبدلها واواً فتصبح: أُوتمن.

وإن كان ثالث الفعل مفتوحاً أو مكسوراً أو مضموماً ضمّاً عارضاً؛ فإنه يكسر همزة الوصل ويبدل همزة القطع ياءً مدية. وذلك في: ائت، ائذن. فتصبح: إيت، إيذن.

ثالثا:- الهمزتان من كلمتين:

وهو أن تجتمع همزتان: الأولى في نهاية الكلمة الأولى، والثانية في بداية الكلمة الثانية. وهما ضربان:

الضرب الأول: المتفقتان في الحركة:

1. المفتوحتان نحو: (جاء أحد).

2. المضمومتان نحو: (أولياء أولئك).

3. المكسورتان نحو: (النساء إلا).

وحكمها عند حفص تحقيق الهمزتين.

الضرب الثاني: المختلفتان في الحركة:

1. مفتوحة فمضمومة نحو: (جاء امة).

2. مفتوحة فمكسورة نحو: (شهداء اذ).

3. مضمومة فمفتوحة نحو: (السفهاء الا).

4. مكسورة – مفتوحة نحو: (هؤلاء اهدى).

5. مضمومة فمكسورة نحو: (يشاء الى).

حفص يحقق الهمزتين في جميع المواضع.

المراجع:

ابن منظور، لسان العرب.

الجريسي، محمد مكي نصر، نهاية القول المفيد في علم تجويد القرءان المجيد، ضبطه عبدالله محمود عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1424هـ- 2003م.

الحصري، محمود خليل، أحكام قراءة القرآن الكريم، ضبطه محمد طلحة منيار، المكتبة المكية، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط1، 1416هـ-1995م.

المنير في أحكام التجويد، لجنة التلاوة في جمعية المحافظة على القرآن الكريم، ط6، 1426هـ-2005م.

المرصفي، عبد الفتاح السيد عجمي، هداية القاري إلى تجويد كلام الباري، دار الفجر الإسلامية، المدينة المنورة، ط1، 1421هـ-2001م.

عبده، محمد عبدالله، الفرقان المبين في أصول القراءات العشر، مطبعة الخط العربي، ط1، 1427هـ- 2006م.

الجزري، أحمد بن محمد، شرح طيبة النشر، ضبطه أنس مهرة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1420هـ-2000م.

الجزري، محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، دار الكتب العلمية، بيروت،ط1، 1418هـ- 1998م.

شكري ، أحمد خالد، قراءة الإمام نافع، دار الفرقان، ط1، 1417هـ- 1996م.

منصور، محمد خالد، المزهر في شرح الشاطبية والدرة، دار عمار، ط1، 1422هـ- 2002م.

الصفاقسي، ولي الله سيدي علي النوري، غيث النفع في القراءات السبع، ط1، دار الكتب العلمية، 1419هـ- 1999م.

القاضي، عبد الفتاح، الوافي شرح الشاطبية، مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط5، 1414هـ- 1994م.

الداني، أبوعمرو عثمان بن سعيد، التيسير في القراءات السبع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1416هـ- 1996م.

حازم عبدالفتاح أبوعليا

أكتب تعليق